الفصل 36 - حشرات العالم السفلي -3
الفصل 36 – حشرات العالم السفلي – 3
…
“ذلك الوغد… إنه يتباهى بغرور!”
تمتمت لويس بغضب.
لم يكن لدى أحد أدنى شك في أن ما شهدوه قبل لحظات كان قتالًا مختلفًا تمامًا عما حدث سابقًا.
كانت مهارات محاربي الصخور متفوقة، وكان تعاونهم مثاليًا، كما لو أنهم خاضوا مئة حرب من قبل.
لم يعرف أيٌّ منهم السر، لكن قائد محاربي الصخور وقف بعيدًا مبتسمًا، مستمتعًا بصدمة الجميع. كان يعرف أن خاصية “القائد يقود” هي ما منحت مقاتليه تلك الخبرة المتراكمة والتنسيق المثالي.
“إنهم ماهرون حقًا. لقد عثر القائد على كنز قتالي ثمين حقًا.”
في أعلى البرج، تنفست مونالي أخيرًا بهدوء، ثم تابعت:
“بدأت الكارثة عند منتصف الليل… وأعتقد أنها ستنتهي عند شروق الشمس. لقد مر أكثر من ساعتين حتى الآن… ووفقًا لما أعتقد، فمن المحتم أن تأتي موجتان أو أكثر.”
وقبل أن تنهي مونالي كلماتها، هبت رياح الأزيز من جديد… لكن هذه المرة من الخلف.
زززز… زززز… زززز…
تضاعفت الأعداد مجددًا… وبدأ أكثر من سبعة آلاف حشرة بالخروج تباعًا من الغابة.
“هذه المرة… العدد هائل جدًا.”
تمتمت مونالي، ثم ردت بسرعة.
لم تعد تلك الشخص الحائر الذي كانت عليه قبل ساعات.
“سومان… أخبر كتيبة الصخور أن تتجه إلى الخلف لاعتراض الموجة مجددًا. لويس، خذي الجنود وخففي زخم الموجة معهم.”
استجاب الاثنان بسرعة، لكن سومان عاد بعد وقت قصير بخبر سيئ.
“سيدتي… محاربو الصخور يرفضون الاستجابة للأوامر.”
“ماذااا؟! هل أنت تمزح معي؟!”
صرخت مونالي في لحظة، ثم اتجهت بسرعة نحو موقع قائد الصخور.
وبالكاد اقتربت حتى انحنى الجميع، بمن فيهم القائد.
“سيدتي الأميرة… لماذا غادرتِ موقع القيادة؟ من الخطر أن تكوني هنا.”
قال القائد بوقار.
“هل تمزح معي؟ لماذا لا تستجيبون للأوامر؟”
حاولت مونالي السيطرة على أعصابها قدر الإمكان، بينما جاء رد القائد هادئًا تمامًا:
“سيدتي… يجب أن تبني خطتك على جنودك. نحن لا نملك السرعة الكافية للوصول إلى هناك… وحتى لو تحركنا الآن، فسنصل متأخرين.”
“ماذا تقول؟! المسافة ليست كبيرة.”
“اعذرينا يا سيدتي… سنواصل القتال من هذا الجانب. لديك القائدان الآخران، ولا أشك في قدرتهما على اعتراض هذا الهجوم.”
“اللعنة… حسنًا، إذن توجهوا إلى مقدمة البرج وانتظروا هناك.”
ابتسم زعيم قرية الصخور وهمس “إذن اكتشفتِ الأمر… سأنتظر الموجة القادمة من هناك.”
كان هجوم الحشرات يزداد عددا في كل موجه .. لكن النمط الثابت بدا واضحا . في كل مره ياتي الهجوم من جانب مختلف لم يأت منه من قبل .. وبعد ثلاث موجات من اليمين والشمال والخلف .. اكتشف كل من الزعيم والاميره ان الموجه القادمه .. ستكون من الامام ..
مرت عدة دقائق، وكانت الموجة الثالثة تقترب أكثر من الجدار الرابع.
واجهت لويس والجنود العشرة، وكذلك سومان، أطراف الموجة بعنف.
سقطت مئات الحشرات، لكن الموجة ظلت تتقدم بزخمها نحو الأمام.
تداخلت أصوات الضربات وصيحات الفراشات تباعًا، وبدت كأنها سيمفونية لا تنتهي… كلما سقطت حشرة، ظهرت أخرى من بين الأشجار وأصدرت صوتًا أعلى.
قبل عدة أيام، اتُّخذ القرار بإخلاء المنطقة المحيطة بالقرية من الأشجار لمسافة لا تقل عن ألف متر.
كان الهدف كشف المنطقة ورؤية العدو وتحركاته… وفي الوقت الحالي، كان ذلك القرار إيجابيًا تمامًا؛ فقد ساعد على معرفة اتجاهات حركة الحشرات واعتراضها حتى قبل وصولها إلى الجدران.
عند أسفل البرج، رفع أحد القرويين راية بيضاء.
اتجهت عينا مونالي نحوه، ثم ابتسمت.
“أخيرًا.”
همست، ثم قفزت باتجاه موقع الراية، وبمجرد وصولها أصدرت أوامرها بسرعة.
بدأ حشد القرويين بالتحرك نحو الخلف بتنسيق، وبعد عدة دقائق، اتخذوا موقعًا على جانب الموجة المتقدمة دون وجود أي عوائق.
وبمجرد أن أنهى حشد القرويين استعدادهم ورفعوا أقواسهم، قفزت مونالي.
ليس إلى الأسفل… بل إلى أعلى البرج.
كان البرج محاطًا بسقف خشبي. وفي تلك اللحظة، قفزت مونالي فوق السقف، ووقفت كعمود شامخ متجه نحو السماء.
داعبت رياح الليل الباردة خصلات شعرها اللامعة، وانعكس ضوء البدر على عينيها النعستين.
رفعت يديها، وضيقّت عينيها، وأظهرت قوسها العتيق.
سحبته بخفة المحترف، وأضاء اللون الأصفر البرج بأكمله. اتجهت أنظار الجميع نحو الضوء المشع الذي أخذ يتراكم شيئًا فشيئًا.
وفي تلك اللحظة…
سوييش… سوييش… سوييش…
أطلق القرويون سهامهم نحو نقطة واحدة… نحو منتصف خط الموجة الممتد حتى بين الأشجار العالية.
ارتفع وابل مكوّن من ستين سهمًا عاليًا، ثم انحنى فوق الموجة.
وفي اللحظة نفسها…
سووووووووش…
أضاء السهم الأصفر المشع من بعيد، وانطلق بسرعة جنونية نحو المنطقة نفسها التي اتجهت إليها سهام القرويين.
بووووم!
أصابت سهام القرويين الهدف في لحظة…
بووووووووم!
وفي اللحظة التالية مباشرة، سقط السهم الأصفر فوقها.
اتجهت أنظار الجميع نحو الانفجار الهائل.
انقطع خط الموجة الممتد أخيرًا، وظهرت فجوة بين الحشرات.
“لويس… اتبعيني بسرعة!”
صرخ سومان. ولم يتردد في الانطلاق لاستغلال الأمر.
“أحسنت.”
تمتمت مونالي من الأعلى بعينين نصف مغمضتين، ثم سحبت سهمًا آخر بسرعة.
لم تمر سوى بضع ثوانٍ بين إصابة السهم الأصفر للمنطقة وبين تحرك سومان ولويس.
كان تأثير ضربة السهم الأصفر، التي قتلت مئات الحشرات وقطعت خط الموجة الممتد كأثر من النمل، بالكاد قد استمر لثوانٍ قبل أن تمتلئ الفجوة مجددًا.
لكن سومان أدرك الموقف بسرعة وانطلق.
قفز دون تردد إلى المساحة التي تشكلت بين سرب الحشرات، وبدأ بالضرب.
ضرب بعنف لم يتراجع.
وتبعته لويس بسرعة، ووجهت ضرباتها القوية واحدة تلو الأخرى.
كان الاثنان يرقصان وسط آلاف الحشرات التي حاولت إغلاق الفجوة.
وفجأة…
أصبحت الحشرات الموجودة في المقدمة متقدمة عن بقية السرب. كان الأمر أشبه بقطع رأس أفعى كانت تتحرك إلى الأمام.
وحين حاول جسدها اللحاق برأسها، أوقفه سومان ولويس بكل ما لديهما من عنف.
في النهاية، بقي الرأس وحيدًا يتقدم إلى الأمام، بينما عاد بقية الجسد إلى التجمع مجددًا محاولًا إيجاد رأس آخر.
سوييش… سوييش… سوييش…
انطلقت سهام القرويين مجددًا نحو الرأس الوحيد، وفي لحظة…
ومض سهم الأميرة العنيف من جديد وأصاب الهدف.
كان الرأس في حالته الحالية أشبه برأس محطّم عاجز.
أما الجسد الرئيسي الذي أوقفه سومان ولويس، فقد تعافى بالفعل رغم شدة قتال المحاربين.
وفي الوابل الثالث من سهام القرويين، وبمساعدة مونالي من أعلى البرج…
سقط الرأس أخيرًا، ولم يتبقَّ سوى عدد محدود من الحشرات. اصطدمت بالجدار بسرعة، وأُجبرت على تغيير اتجاهها والسير في مسار دائري حول الجدار.
وبالقرب من الأشجار، خرجت أخيرًا آخر الحشرات.
لكن…
ضيقت مونالي عينيها وهي تشاهد الجنود العشرة ينسحبون إلى الخلف نتيجة فقدان معظم نقاط تراكمهم.
ومجددًا، قفز سومان ولويس إلى الجانبين.
“لقد شكّلوا رأسًا قياديًا جديدًا بسرعة… تلك الحشرات اللعينة!”
صرخت لويس، بينما عادت لتنظر إلى نقاط تراكمها الداخلية.
انطلقت الموجة مجددًا نحو الجدار.
سوييش… سوييش… سوييش…
وجه القرويون ضربة أخرى مجددًا.
وتبعها سهم آخر من مونالي.
تشكلت فجوة من جديد.
تحمل سومان وزنه، ثم انطلق للمرة الثانية نحو الموجة.
هذه المرة كان هو ولويس وحدهما… بينما اتجهت ذئابه إلى الخلف، تصطاد الحشرات دون عوائق.
ومجددًا، وقف القائدان بكل عزيمة وأوقفا الجسد عن اللحاق بالرأس الجديد.
وعندما انطلق الرأس أخيرًا بمفرده، وقع في الفخ مجددًا، وبدأ القرويون ومونالي باصطياده.
بعد عدة دقائق، انقسمت الموجة الكبيرة إلى عدة موجات متفرقة.
عاد القرويون نحو القرية بعد انتهاء المدة المحددة للسهام.
“خمس موجات صغيرة… تحتوي كل واحدة منها على نحو ثلاثمئة حشرة… هل يستطيع الجدار صدها؟”
تمتمت مونالي، بينما نظرت بقلق إلى نقاط تراكمها.
في الأرض المفتوحة…
سقط سومان وقد تبقى لديه أقل من عشرة بالمئة من نقاط التراكم، بينما كانت لويس عند عشرين بالمئة.
وكان الجنود العشرة قد انسحبوا بالفعل بعد أن انخفضت نقاط تراكمهم إلى أقل من ثلاثين بالمئة.
وسط الإرهاق والعجز…
اقتربت الموجات الخمس، واحدة تلو الأخرى، نحو الجدار الرابع.
بووووم… بووووم… بووووم… بووووم… بووووم!
وفي لحظة…
اصطدمت الموجات بعنف، وتردد صوت الاصطدام عاليًا كصوت تحطم هائل.
وفي لحظة، سقطت أعداد كبيرة من الحشرات نتيجة الاصطدام…
وكذلك…
انهار الجدار الرابع بعنف.
وفي الوقت نفسه…
زززززز… ززززززز… ززززززز…
ترددت الأصوات المشؤومة من جديد، حاملة معها خوفًا متصاعدًا داخل أرواح الجميع.
وأمام البرج، على بُعد ألف متر، ظهرت أسراب من جحافل الحشرات بأعداد لم تشهد مونالي ولا
بقية الحاضرين مثلها من قبل.
أكثر من عشرة آلاف حشرة، متراصة معًا كجدار لا يمكن اختراقه، تقدمت ببطء نحو القرية… معلنه اندفاع الموجة الرابعه من حشرات الجحيم .
بينما ازدادت ثِقَلًَا على قادة المدينة وطأةُ الإرهاق الذي أُلقي على عاتقهم.