الفصل 34 - حشرات العالم السفلي -2
الفصل 34 – الجزء الأول: حشرات العالم السفلي، الكارثة السرية الصغرى
…
“أين ذهب ماذا بحقك؟”
ارتفع البدر في السماء كقرص معدني عالٍ، بينما انعكس ظل محاربة تقف فوق برج خشبي يتجاوز ارتفاعه ثلاثين مترًا.
صرخت مونالي مجددًا بغضب قاتم، وصرّت على أسنانها.
“أين هو؟ جو، أين سيدك؟ اللعنة!”
كان البرج الخشبي يبرز كأعلى نقطة مركزية في منتصف المدينة. وعلى الرغم من أن عرضه لا يتجاوز بضعة أمتار، فإنه كان يمنح رؤية تحيط بكل ما حول المدينة الصغيرة.
“وكيف لي أن أعرف؟ كان من المفترض أن يكون هنا منذ أيام.” أجاب جو، بينما كان الارتباك واضحًا على وجهه.
“أتخبرني أن سيدك مفقود منذ أربعة أيام وأنت لا تعرف عنه شيئًا؟ اللعنة! ماذا عنك لويس ؟”
“كنت أتدرب… وماذا كنتِ تفعلين أنتِ؟ ألستِ نائبه الشخصي؟” ردت لويس باستياء.
“وأنا أيضًا كنت أتدرب…” أجاب سومان.
“حسنًا… أصبح الخطأ خطئي أنا، أليس كذلك؟ أين أنت؟ اللعنة!”
فوق البرج الخشبي، وقف الأربعة.
يمثلون أقوى قوة في المدينة… جنرالات المدينة الموثوق بهم، يتجادلون بغضب حول سبب غياب سيدهم عن أهم مواجهة، ولم يجد أيٌّ منهم جوابًا.
وفجأة…
“إنها هنااااا!”
صرخت لويس، بينما بدأت رياح قوية تهب من الجانب الأيسر للبرج.
“اللعنة!” شتمت مونالي، بينما بدأ العرق يتسلل إلى ملامحها شيئًا فشيئًا، وعينها موجهة نحو صوت الصرير القادم.
زززززززز… زززززززز… زززززززز…
كانت أصوات الصرير مزعجة، عالية… ومرعبة.
انعكس ضوء القمر على الأشجار العالية، بينما كان يخفي ما يقترب ببطء.
“سيدتي، ماذا سنفعل؟” قال سومان، وقد كان قد سحب رمحه المزدوج بالفعل. رفع قدمه فوق الحافة الخشبية واستعد.
“ماذا سنفعل؟” تساءلت مونالي بقلق، وصوتها مليء بالحيرة.
“ماذا تفعلين أيتها الحمقاء؟” جاء صوت لويس مجددًا، ووبخها بقسوة. “الأمر ليس كارثيًا… جميعنا نعلم أنه لا يملك القوة الكافية… حتى لو كان هنا…”
“هيه، لا تجعلني أترك الوحوش وأتوجه إليك بدلًا منهم!” صرخ جو بغضب، بينما ارتفع صوت لويس مجددًا.
“أيها الأحمق! أنا لا أنتقده. لقد ترك تعليماته، أليس كذلك؟ لقد كنا نستعد لهذه اللحظة منذ أسابيع! ما خطبكم؟”
لم يجب أحد.
أغمضت مونالي عينيها، وأطلقت زفرة هادئة.
ثم فتحت عينيها مجددًا ونظرت إلى الجانب الأيسر، قبل أن تقول:
“نعم… لقد جعلني القائدة في حال حدوث أي شيء… لذا سأؤدي هذا الدور.”
“هاهاها… أحسنتِ. رغم أنني لا أحب الأمر… لكن ما أوامرك؟ كما ترين، لم يعد هناك وقت.” قالت لويس، بينما ابتسم البقية رغم المحنة.
وبمجرد انتهاء نوبة الغضب والحيرة لدى أميرتهم، عاد الجميع إلى طبيعتهم.
أشارت مونالي بإصبعها نحو الجانب، بينما بدأت العلامات تتضح.
200…
300…
400…
600…
1000 حشرة، مع أزيز يزداد ارتفاعًا كلما اقترب السرب.
وكأنه موجة واحدة، خرجت الحشرات تباعًا من الغابة، بينما اختفت الأشجار تحت أعدادها الهائلة.
“هل هناك أي علامات من جهة أخرى؟” سألت مونالي.
“لا، أيتها الأميرة… يبدو أن الوحوش قادمة من جهة واحدة.” أجاب سومان.
“حسنًا… دعونا نسمح لهم جميعًا بالخروج لنتأكد.” أجابت مونالي، وهي تنظر نحو المدينة أسفلها.
كانت المدينة محاطة بأربعة جدران كبيرة ومتينة.
“لقد وضع القائد هذه الجدران هنا للتعامل مع الأعداد الكبيرة… وكذلك الهجمات القادمة من اتجاهات متعددة.” تمتمت.
بعد عدة دقائق، بدأ الأزيز يزداد باستمرار.
زززز… زززز… زززز…
“لقد خرجوا جميعًا!”
صرخ سومان. كان قريبًا من البقية، لكن شدة الأزيز جعلت صوته المرتفع هو الصوت الوحيد الذي يصل إليهم.
“إذن إنه هجوم من اتجاه واحد… استعدوا!” صرخت مونالي، بينما استعد سومان للقفز.
“لا… ليس أنت.”
أوقفته مونالي، بينما تحولت عيناها نحو جو.
“اذهب… قُد الحشرات نحو البوابة رقم خمسة في الجدار الاعتراضي الأول.”
خلال الأيام الماضية، كان الجميع يعملون على وضع الخطة المناسبة لإيقاف الحشرات.
وبعد أيام وليالٍ، قرر علي أخيرًا ابتكار خطة جديدة… اقتبسها من أحد أشهر أعمال الأنمي.
أحاط المدينة بأربعة جدران قوية ومتينة.
كان الجدار الأول هو الأبعد عن المدينة. وفي هذا الجدار الأوسع والأكبر، وضع خمس فتحات للمرور من جهات متعددة، يبلغ عرض كل فتحة ثلاثة أمتار.
أما الجدار الثاني، فوضع فيه أربع فتحات، يبلغ عرض كل منها مترين ونصف.
وفي الجدار الثالث، وضع ثلاث فتحات بعرض مترين.
أما الجدار الرابع والأخير، فوضع فيه فتحتين بعرض متر واحد.
وكانت صلابة الجدران تزداد كلما اقتربت من مركز المدينة.
“الهدف من هذه الجدران… ليس إيقاف الحشرات.”
تذكرت مونالي كلمات علي.
“بل الهدف… إجبارها على السير في الطريق الذي نريده. مواجهة مئات الحشرات وهي تسير في مسار نبنيه لها أسهل بألف مرة… من مواجهة مئة حشرة لا نعرف أي طريق ستسلكه.”
زززززز… زززززز… زززززز…
قفز جو من فوق البرج.
وهبط بعنف نحو الأسفل، وارتسمت على وجهه ابتسامة ثابتة.
ثم اندفع سريعًا عبر مسار مباشر ومخفي بين الجدران، كان قد أُعد مسبقًا لتسهيل تحركهم ضد الحشرات.
وخلال أقل من دقيقة، وقف جو أمام الموجة الهائلة.
كانت جميع الحشرات تحمل الشكل نفسه…
فراشات يبلغ حجمها نصف متر، بأجنحة ضخمة ووجوه تحمل عدة أعين مرعبة.
بدت وجوه الحشرات كجذع شجرة عمرها مئات السنين ولم تُسقَ بالماء قط… موحشة، قاسية وجافة.
أما أجنحتها فكانت لامعة بألوان زاهية وجميلة، بينما بدت وجوهها كتحذير مظلم بالموت.
“يا له من سرب ضخم وقبيح…” تمتم جو، بينما تحرك مجددًا.
“لم يغير موقعه؟” سأل سومان من أعلى البرج، فأجابته مونالي:
“إنه لا يحاول إيقافها… بل قيادتها. عندما يقف في المنتصف، سيكون كمن يقف في وجه عاصفة هوجاء لا يمكن إيقافها… والحل الوحيد أمامه هو…”
في لحظة، وقف جو إلى الجانب، ثم رفع فأسه عاليًا، ووضعه أمام صدره وأمسكه بكلتا قبضتيه.
“آآآآآآآه!”
صرخ واصطدم.
بووووووووم!
وفجأة…
وفي لحظة…
دُفع جو لمسافة عشرة أمتار، كحجر صغير يتدحرج.
“ماذااا؟!”
صرخ سومان وسط صدمة الجميع.
كان الاصطدام عنيفًا للغاية، وجو، صاحب أقوى دفاع، قُذف كما لو كان قطعة خشب.
لكن…
“أيها الأوغاد…!”
تردد صوت جو من بعيد.
وقف بعزيمة، وشد قبضتيه مجددًا، واصطدم مرة أخرى.
قُذف مجددًا.
ثم نهض بعزيمة أقوى.
وفي المرة الثالثة، كانت الحشرات قد اقتربت بالفعل من الجدار.
“لن أفشل… درع أقوى قائد غير قادر على إيقاف مجرد حشرات؟ يا لها من فضيحة!”
“سيدتي، ماذا سنفعل؟ لن ينجح الأمر.” قال سومان.
“انتظر.” أجابت مونالي.
“لا وقت للانتظار… إذا اصطدمت الحشرات بالجدار فستهدمه، وستفشل الخطة!” أعلنت لويس.
“اصمتِ… وشاهد.” أسكتتها مونالي بسرعة.
خطوة… ثم أخرى…
تراجع جو.
رأى الجميع هروبه.
لكن…
توقف فجأة.
أمام الحشرات مباشرة.
ثم رفع فأسه عاليًا وضرب به الأرض أمامه.
تشكلت حفرة بعمق نصف متر بسرعة.
قفز جو إلى داخلها.
“هيا! هيااااا!” صرخ بصوت عالٍ، بينما وضع فأسه أمامه وشد قبضتيه.
“ذلك الوغد… إنه يخاطر بحياته!” صرخت لويس.
ثم وقع الاصطدام.
بووووووووم!
“آآآآآآآآه!”
صرخ جو بألم شديد وقاسٍ.
وسط أزيز الحشرات، لم يستطع سماع صوت تحطم عدة فقرات في ظهره…
لكنه شعر بها بكل قسوتها الممكنة.
ورغم ذلك، رفع فأسه واستمر واقفًا أمام الموجة الهائلة.
ثم فجأة…
وفي لحظة…
توقفت سرعة اندفاع الحشرات للمرة الأولى.
وبدأت تغير اتجاهها نحو الجانب… باتجاه البوابة الخامسة.
“لقد نجح! ذلك الوغد الذي لا يعرف الخوف!” ابتسمت لويس بغرور، بينما اتجهت عين مونالي نحو جو.
“لم يستغرق الأمر دقائق… حتى أصيب أقوى دفاع لدينا بهذه الشدة.” تمتمت مونالي بصوت قلق بالكاد سُمع.
في الأسفل، تحمل جو الألم ونهض.
“آآآآآه… لقد أصبت نفسي. يجب أن أستمر… الخطوة التالية يجب أن تكون…”
“جوووووو!”
صرخت مونالي من بعيد.
اتجهت عينا جو نحوها. كان بالكاد قادرًا على سماع شيء، لكن عينيه اتجهتا مباشرة نحو المنصة.
“اذهبي يا لويس… احمليه إلى المستشفى ثم عودي.” قالت مونالي.
قفزت لويس بسرعة، ثم اتجهت نحوه.
وبمجرد وصولها، لم تتأخر وتحدثت مباشرة، بينما مدت يديها لمساعدته:
“هيا بنا.”
“إلى أين؟” سألها بدهشة.
“إلى البحيرة لنتمشى… إلى أين أيها الأحمق؟ بالطبع إلى العلاج.”
تحرك جو خطوة بصعوبة، ورفض الذهاب.
“لن أذهب. يجب أن نلتزم بالخطة.”
“في هذه الحالة، لن تلتزم بأي شيء… هذه أوامر الأميرة. هيا، لنذهب.”
“قلت إنني لن أذهب!”
صرخ جو، ثم أبعد يد لويس عنه وتحمل وزنه بنفسه.
ترااااك!
وبسرعة، هبطت صفعة حادة من يد لويس على خده الأيمن.
“أيها الوغد… نحن جميعًا نقاتل هنا! أتظن أنك عندما تتلقى العلاج لبضع ساعات وتعود، ستجد أننا خسرنا؟ هيا، لا تؤخرنا عن القتال!”
“اللعنة…” أجاب جو، ثم وضع يده على كتف لويس وسمح لها بحمله.
في الأعلى، تنهدت مونالي.
“أحسنتِ يا لويس… ظننت أنه لن يقبل. والآن حان الوقت.”
في تلك اللحظة، كانت الحشرات تدخل تباعًا من الفتحة الخامسة، وتتبع المسار الدائري الذي تم إعداده.
كان أمام كل بوابة عمود حجري صلب.
وخلف العمود، عمودان آخران، وخلفهما ثلاثة، ثم أربعة…
وبمجرد اصطدام الحشرات بالعمود الأول، دُفع إلى الخلف وسقط.
ثم اصطدمت الحشرات بالعمودين الآخرين، فسقطا هما أيضًا.
ثم اصطدمت بالأعمدة الأربعة الموجودة في الخلف، فسقطت هي الأخرى.
بعد الأعمدة الأربعة، لم يعد هناك المزيد من الأعمدة.
لكن الموجة الكبيرة من الحشرات كانت قد تفرعت إلى عدة موجات أصغر، اتجهت كل واحدة منها في اتجاه مختلف.
وفي اللحظة التي دخلت فيها آخر الحشرات من البوابة، كانت الحشرات الأولى قد ابتعدت بالفعل في اتجاهات مختلفة.
لم تتجاوز المسافة بين الجدار الأول والثاني مئة متر.
أما ما تم إعداده، فكانت الخطة حتى هذه اللحظة تسير وفق الوتيرة المتوقعة.
“لقد تفتتت الموجة أخيرًا… لدينا خمس، لا… ست موجات! هيا يا سومان، حان دورك.” قالت مونالي.
أجاب سومان ” أمرك ” وقفز.
“حان دوري…” تمتم سومان.
“جو فرض نفسه بالقوة… وحان الوقت لأفرض نفسي بالذكاء.”
ثم هبط بسرعة واتخذ مسارًا سريعًا للوصول إلى الجدار الرابع وعبره.
“موجتان تتحركان بشكل دائري نحو اليسار، وأربع نحو اليمين…” تمتم سومان لحظة وصوله.
“إذا استمر التدفق… فستصطدم الموجات ببعضها. هل ستدمر إحداها الأخرى كما قال القائد، أم ستتحد وتهاجم نقطة عمياء في الجدار؟ إذا حدث الخيار الأول، فسيكون أمرًا ممتازًا… لكن في حال حدوث الثاني، فستكون كارثة كبرى. ماذا أفعل؟”
بدأت الموجتان بالاقتراب من سومان تدريجيًا، لكنه لم يكن قد اتخذ قرارًا بعد.
في الأعلى، وصلت لويس بالقرب من مونالي.
“ماذا يحدث؟” سألت.
“لا أعرف… من المفترض أن يهاجم الموجات الصغيرة ويختبرها. لا أعرف سبب تردده.”
“هل تريدين مني أن أتصرف؟” سألت لويس مجددًا.
“لا، لم يحن دورك بعد… لكن دورهم قد حان.”
خلف الجدار الرابع، وقف أكثر من ستين شخصًا من الرجال والنساء.
كان كل واحد منهم يحمل سهمًا.
“إنها مفاجأة السيد…” تمتمت مونالي، بينما نظرت نحو السهام.
“ليسوا جميعًا مقاتلين… لكن ذلك السهم العادي يحمل خاصية فريدة تبرر سعره الباهظ… فهو يمنح مستخدمه صفة المقاتل لمدة عشر دقائق.”
وفي لحظة…
رفع الحشد الكبير من القرويين أقواسهم، وشدوها بعنف.
وفي الوقت نفسه…
سوييش… سوييش… سوييش…
أمطرت السماء بأكثر من ستين سهمًا باتجاه حشد الحشرات.