الفصل 43 - الزنزانة الأسبوعية (2)
الزنزانة الأسبوعية (2)
*
ابتعدت ‘جينا’ عني مسافة تقارب 10 أمتار.
كانت تمسك بإحكام قوسًا مرتد الأطراف، ولم يكن سلاحًا مخصصًا للتدريب، بل قوسًا معدًّا للقتال الحقيقي، أما سهامه فكانت مزودة برؤوس حادة كالشفرات.
لقد أصبح التدريب على صد السهام باستخدام الدرع أمرًا رتيبًا.
كما أنني بلغت مرحلة متقدمة في التدريب على التنسيق بين السيف والدرع. ولم يعد استخدام الدرع وحده في صد السهام يحقق الفائدة المرجوة، حتى بدا أن الاستمرار في ذلك التدريب لم يعد مجديًا.
ولهذا، تخليتُ عن الدرع.
ولم يبقَ في يدي الآن سوى سيف واحد.
أي سهم طائش قد يودي بحياتي.
كنتُ أدرك ذلك، وكانت ‘جينا’ تدركه أيضًا.
“أنا مستعد.”
“هيا.”
طنين!
انطلق سهم نحوي مصحوبًا بطنين رنان.
ولجزء من الثانية، بدا وكأن الزمن قد تباطأ.
كان السهم يدور في الهواء، متجهًا نحو الجانب الأيمن من صدري.
تحركت يدي اليمنى بغريزة خالصة، واتخذت الوضعية المناسبة دون تفكير واعٍ مني.
وتحطم السهم لحظة اصطدامه بسيفي.
“واحد آخر.”
“ها هو قادم!”
انطلق السهم الثاني.
أبقيتُ عينيّ مثبتتين عليه، بينما تحرك سيفي بسرعة في مسار مائل، فشطر السهم إلى نصفين.
وجاء السهم التالي دون سابق إنذار.
لم نتبادل أنا و’جينا’ أي كلمات لا ضرورة لها.
فقد امتلأت ساحة التدريب بإيقاع متواصل من السهام المنطلقة والضربات التي تعترضها.
وحين شطرتُ السهم الـ15 إلى نصفين، دخل عدة أشخاص إلى ساحة التدريب، فتوقفنا عن الحركة للحظة.
“آه، مرحبًا.”
تبادلنا التحيات بشيء من الارتباك عندما التقت أعيننا.
اكتفيتُ برد مقتضب، ثم اتجهوا إلى إحدى الزوايا وبدأوا تدريباتهم بحركات غير متناسقة.
كان غياب ‘آرون’ ملحوظًا.
“أليس ‘آرون’ هنا؟”
“دعه وشأنه. ربما يقبع في غرفته عابسًا.”
في العادة، كان يصل إلى ساحة التدريب قبلي، وينخرط في تمارينه بجدية تامة.
والأمر نفسه كان ينطبق على ‘ديكا’.
فقد أظهر كلاهما حماسًا استثنائيًا لصقل مهاراته.
على عكس هؤلاء الموجودين هنا.
كنتُ أفهم العقلية التي يتبعها هؤلاء في التدريب.
لم يكن الأمر متعلقًا بالسعي إلى اكتساب القوة فحسب، بل بإخفاء قدراتهم الحقيقية أيضًا.
فعندما كانت السماء تظلم، كانوا يتظاهرون بعدم الاكتراث، وما إن تنقشع الغيوم حتى يسارعوا إلى حمل أسلحتهم.
‘كان الأجدر بهؤلاء أن يموتوا بالأمس بدلًا من الاثنين الآخرين.’
لقد كان ذانك الاثنان واعدين.
ومع قليل من التطور، كان بوسعهما أن يصبحا عنصرين ثمينين في الفريق.
تجهم وجهي.
ولاحظت ‘جينا’ تغير مزاجي، فرسمت على وجهها ابتسامة مرتبكة.
“لنركز على تدريبنا!”
“أطلقي!”
طنين!
انطلق السهم الـ16 في الهواء، مستهدفًا الجزء السفلي من جسدي.
لكنني تفاديته ببراعة.
“واو…”
“لا تلتفت إليهم. فهم يتصرفون هكذا دائمًا.”
تعالت همسات خافتة من جهة المتدربين.
لكن لم يكن لدي متسع من الوقت للاهتمام بآرائهم.
‘يبدو أن ردود أفعالي قد تحسنت بالفعل.’
تندرج ضمن فنون استخدام السيف والدرع مهارة تُعرف باسم ‘المبارزة بالسيف’.
ورغم أن الجمع بين السلاحين يحقق أقصى قدر من الكفاءة، فإن استخدام أحدهما وحده لا يترتب عليه انخفاض كبير في الفاعلية.
لقد أصبح جسدي يتحرك قبل أن يدرك عقلي ما يحدث.
وبات سيفي يرسم مساراته بردود أفعال تلقائية، بانسيابية لا تختلف عن التنفس.
ومع ذلك، لم تكن هذه سوى مهارة أساسية في الوقت الراهن.
لم أستطع منع نفسي من تذكر براعة ‘شاي’ الاستثنائية في المبارزة بالسيف.
ففي اليوم الأول الذي رأيته فيه، كان يغرس سيفه في أعناق الغوبلن بضربات دقيقة.
ومقارنة به، لا يزال أمامي طريق طويل لأقطعه.
ربما كان ‘شاي’ قادرًا على شطر السهام القادمة نحوه إلى نصفين دون أدنى صعوبة.
في هذا العالم، حتى التدريب البسيط يمكن أن يحقق نتائج مذهلة.
أما على الأرض، فربما كنتُ سأحتاج إلى عام كامل على الأقل لبلوغ هذا المستوى.
أخذت بقايا السهام المحطمة تتراكم تحت قدمي.
وخدشت بعض السهام ذراعي وساقي، فتناثرت قطرات الدم.
ورغم تلك الجروح، لم تتردد ‘جينا’ لحظة، بل واصلت إطلاق السهام نحوي واحدًا تلو الآخر.
كانت هذه السهام تُطلق بقصد قتلي.
ولم أكن لأتهاون في مواجهتها.
فلو متُّ عبثًا أثناء هذا التدريب، لكان موتي بلا أي جدوى.
وقف بضعة متفرجين على مسافة منا، وقد تسمرت أبصارهم عليّ وعلى ‘جينا’.
لا بد أننا بدونا كالمجانين في أعينهم.
انطلق السهم الـ3 مباشرة نحو جبهتي.
ولو أصابني، لكانت نهايتي محتومة دون أدنى فرصة للنجاة.
وبحركة خاطفة من معصمي، استخدمتُ حافة سيفي لتحويل مسار السهم نحو اليسار.
فمر بجانبي بسرعة هائلة، ثم انغرس في الأرض بالقرب من أقدام المتفرجين.
“يا للعجب!”
“هل رأيت ذلك؟”
زمجرتُ، فتراجع المتفرجون على الفور إلى مواقعهم السابقة.
وحتى وهم يلوحون بأسلحتهم أمام دمى التدريب المصنوعة من القش، ظلت أعينهم معلقة بنا.
لم يكونوا قد درّبوا قدرتهم على التحمل كما ينبغي.
خطر لي أن أرسل رسالة إلى ‘السيد’، وأترك له مهمة التعامل مع هؤلاء المبتدئين.
لكن بوصفي لاعبًا من المستوى 9، لم يكن التهام أبطال بهذه المستويات المتدنية يستحق العناء.
والأمر نفسه كان ينطبق على ‘جينا’ و’آرون’.
أما ‘ديكا’، فكان بحاجة إلى بلوغ مستوى معين قبل أن يصبح لالتهامه أثر ملموس.
هذه المرة، كانا سهمين معًا.
انطلق سهمان نحوي تباعًا بسرعة خاطفة، مستهدفين صدري وعنقي.
تحركتُ بسرعة، واعترضتُ كليهما بضربتين دقيقتين من سيفي.
‘بعد تدريب اليوم، سيسجل السيد دخوله.’
قدّرتُ أن ذلك سيكون قرابة الساعة 10 مساءً.
فقد أصبحتُ أعرف الروتين اليومي لـ’أنيتينغ’ جيدًا.
ولهذا السبب تحديدًا، كنتُ قد طلبتُ الحصول على ساعة.
‘سنتوجه إلى الزنزانة الأسبوعية.’
بدأتُ أستعرض في ذهني المواد التي سنحتاج إليها.
وفي خضم تلك الأفكار، ظلت يدي القابضة على السيف تتحرك بمهارة ودقة، دون أن تفقد شيئًا من ثباتها أو هدفها.
___________________________________________________
الي يتفرجون اول ما جا السهم عندهم :

ترجمة: ساني