الفصل 277 - ميزان سيليكا
في اليوم الثاني من تلك الأيام الثلاثة، طلبت منا سيليكا مرافقتها إلى قاعة استماع صغيرة ملحقة بمنزلها، حيث اعتادت، كما أخبرتنا، الفصل في نزاعات أهل مدينتها بنفسها مرة كل أسبوع. قالت وهي تشير لنا بالجلوس في زاوية هادئة:
“لن أطلب منكما التدخل، فقط راقبا. أريدكما أن تريا كيف يبدو الصبر حين يتحول إلى فعل حقيقي، لا مجرد كلمة جميلة تقال.”
دخل رجلان متوسطا العمر، وجهاهما يحملان غضبًا مكتومًا منذ سنوات طويلة على ما بدا. قال أحدهما بحدة:
“سيليكا، هذا الرجل يزرع أرضًا كانت ملك أجدادي منذ خمسين عامًا، وحان الوقت أن تحكمي لصالحي أخيرًا.”
جلست سيليكا بهدوء تام، ولم تُجب مباشرة، بل سألت:
“خمسون عامًا، وتأتي إلى الآن تحديدًا؟”
تلعثم الرجل قليلًا وقال:
“لأنه بدأ يوسع حدود زراعته هذا العام، تجاوز الحد القديم الذي كنا نتفاهم عليه ضمنيًا.”
التفتت سيليكا نحو الرجل الآخر وسألته بالهدوء نفسه:
“وأنت، لماذا وسعت تلك الحدود بعد كل هذه السنوات من الاتفاق الضمني؟”
أجاب الرجل الثاني بتوتر:
“لأن عائلتي كبرت، وأحتاج أرضًا أكثر لإطعامهم، ولم أظن أن جاري القديم سيمانع بضعة أمتار إضافية بعد كل هذه السنوات من الجوار الهادئ.”
صمتت سيليكا طويلًا، تنظر بين الرجلين بتناوب بطيء، حتى شعرت أنا بنفسي أرغب في مقاطعة ذلك الصمت الثقيل أخيرًا.
قالت:
“سأخبركما بما أراه، لا كحكم نهائي بعد، بل كملاحظة أولى. أنتما لستما غاضبين من بضعة أمتار من الأرض، بل من خمسين عامًا من الصمت المتراكم الذي لم يقل فيه أحدكما للآخر ما يشعر به فعلًا.”
اتسعت عينا الرجلين بدهشة واضحة، فأكملت سيليكا:
“سأمنحكما أسبوعًا كاملًا، لا لجمع أدلة إضافية عن حدود الأرض، بل لتتحدثا معًا، وجهًا لوجه، دون وسيط، عن كل ما تراكم بينكما من صمت طوال تلك العقود. إن عدتما إليّ بعد أسبوع وما زلتما تريدان حكمًا في مسألة الأرض، سأحكم فيها بنفسي، لكنني أراهن أنكما ستجدان الحل بأنفسكما قبل ذلك.”
غادر الرجلان بتردد واضح، لكن شيئًا في نظرة كل منهما نحو الآخر بدا مختلفًا عما كان عليه عند دخولهما.
بعد خروجهما، نظرت أوغستا نحو سيليكا بفضول حقيقي وسألت:
“ألا تخافين أن تتفاقم المشكلة أكثر خلال ذلك الأسبوع؟”
أجابت سيليكا دون أن ترفع عينيها عن الأوراق أمامها:
“الخوف من التفاقم هو بالضبط ما يدفع الناس لاتخاذ قرارات متسرعة تحل المشكلة الظاهرة وتترك الجرح الحقيقي ينزف من الداخل. لو حكمت الآن لصالح أحدهما، سيكسب أرضًا ويخسر جارًا، وسيخسر الآخر أرضًا ويكسب عداوة تدوم أجيالًا. أما إن حلا الأمر بأنفسهما، فسيكسبان كليهما شيئًا أثمن من أي أرض؛ صداقة أعيد بناؤها بأيديهما.”
شعرت بإعجاب حقيقي يتصاعد بداخلي وأنا أستمع إلى ذلك المنطق الهادئ، وقلت:
“هذا مختلف تمامًا عن أي شكل من أشكال العدالة رأيته من قبل.”
نظرت سيليكا إليّ لأول مرة بتمعن حقيقي وقالت:
“العدالة السريعة غالبًا ما تكون عدالة سطحية يا فتى. الصبر ليس تأخيرًا للحكم، بل عمق إضافي فيه، طبقة لا يراها من يريد حلًا فوريًا لكل شيء.”
التفتت نحو أوغستا وأضافت:
“وهذا بالضبط سبب حذري تجاهك يا قداستك؛ فأنت تطلبين مني قرارًا كبيرًا خلال أيام قليلة، بعد أن قتلتِ رجلين بيديك خلال أسبوع واحد فقط. لست هنا لأحكم على صواب أفعالك أو خطئها، بل لأرى إن كنت تحملين ذلك النوع من العمق الذي يجعل قراراتك السريعة استثناءً ضروريًا، لا عادة خطيرة.”
استمر ذلك اليوم بمشاهد مشابهة؛ نزاعات صغيرة ومتوسطة، بعضها حُلّ بحكم مباشر من سيليكا، وأغلبها بمهلة زمنية تمنح الأطراف فرصة لإعادة التفكير بأنفسهم.
لاحظت أن سيليكا لم تكن بطيئة لمجرد البطء، بل كانت تقيس كل حالة بميزان مختلف، تمنح الوقت حيث يكون الوقت هو الحل الحقيقي، وتحسم بسرعة حيث يكون التأخير هو الظلم بعينه.
في إحدى الحالات، جاءت امرأة تشتكي من زوج يضربها، فلم تتردد سيليكا لحظة واحدة، وأصدرت حكمًا فوريًا بفصلهما وحماية المرأة، قائلة بحزم:
“بعض الجروح لا تحتمل الانتظار، والصبر على الظلم ليس فضيلة، بل تواطؤ.”
في مساء ذلك اليوم، جلست سيليكا معنا لأول مرة في حديث غير رسمي، بعيدًا عن قاعة الاستماع.
سألتها أوغستا بفضول:
“كيف أصبحت فضيلة الصبر أصلًا؟ ما قصتك؟”
صمتت سيليكا طويلًا، تنظر نحو نافذة صغيرة تطل على حديقة هادئة، ثم قالت:
“كنت في شبابي أسرع الناس غضبًا، أحكم على كل شيء في لحظته الأولى، وقد كلفني ذلك خطأً فادحًا؛ حكمت على أشخاص بريئين بجريمة لم يرتكبوها، فقط لأن كل الأدلة الظاهرة أشارت إليه في تلك اللحظة، ولم أمنح نفسي وقتًا كافيًا للتشكيك فيها.”
أضافت بصوت أهدأ:
“دفع أولئك الأشخاص حياتهم ثمنًا لتسرعي، وقضيت السنوات التالية أتعلم أن الحقيقة نادرًا ما تكشف نفسها كاملة في الوهلة الأولى. الصبر الذي أحمله الآن ليس فضيلة ولدت بها، بل ندبة تعلمت أن أحولها إلى حكمة.”
شعرت بثقل تلك القصة يستقر في صدري، مدركًا أن هذه المرأة، خلف هدوئها الظاهري، تحمل ألمًا حقيقيًا يفسر كل قرار متأنٍ تتخذه اليوم.
نظرت أوغستا إلى سيليكا بعينين مثقلتين بتعاطف صادق وقالت:
“أنا أيضًا قتلت رجلًا بريئًا من الناحية القانونية، رغم فساده الأخلاقي، لأنني لم أمنح نفسي وقتًا للتفكير في بديل آخر.”
هزت سيليكا رأسها ببطء وقالت:
“هذا بالضبط ما يقلقني فيك يا قداستك، وما يجذبني نحو دعمك في آن واحد بشكل متناقض. أنت تحملين اندفاعًا خطيرًا، لكنه اندفاع نابع من إيمان حقيقي لا من غرور فارغ. ربما ما تحتاجينه ليس من يمنعك عن الاندفاع، بل من يقف بجانبك ليمنحك تلك الثانية الإضافية من التفكير قبل أن تتحول شرارتك إلى حريق لا يمكن إخماده.”
في صباح اليوم الثالث، جمعتنا سيليكا مرة أخرى، ووجهها يحمل قرارًا واضحًا هذه المرة.
قالت دون مقدمات:
“سأدعمك يا أوغستا، لكن بشرط لن أتنازل عنه أبدًا؛ سأكون صوت التمهل بجانبك في كل قرار كبير قادم، ولن تتخذي خطوة مصيرية دون استشارتي أولًا، ولو لساعة واحدة فقط.”
نظرت أوغستا إليها بامتنان عميق وقالت:
“أقبل ذلك الشرط بكل سرور، فقد رأيت بنفسي خلال هذين اليومين قيمة ذلك التمهل الذي تتحدثين عنه.”
ابتسمت سيليكا ابتسامة نادرة، أول ابتسامة حقيقية رأيتها على وجهها منذ وصولنا، وقالت:
“إذن، أهلًا بكِ في هذه الرحلة يا قداستك. أرجو فقط أن يكون صبري كافيًا لتحمل كل المفاجآت التي أشعر أنها لا تزال قادمة في طريقنا.”