الفصل 227 - المفاوضات
عدت إلى ديانا التي كانت لا تزال راكعة أمامي مقيدة، ورميت أمامها مفاتيح الأصفاد التي تربط معصميها. نظرت إليّ بدهشة ممزوجة بالفضول، ثم سألت بصوت أخفت من نبرتها المعتادة: “هل تثق بي إلى هذه الدرجة؟” أجبتها ببرود تام دون أن أرمش: “لا أثق بك، أنا أثق بقوتي على هزيمتك مجددًا إن حاولت أي حماقة.”
ساد صمت قصير، ثم وقفت ديانا فجأة، وبحركة واحدة نهض معها قادتها العشرة خلفها، وكأن حركتهم كانت مرتبطة بحركتها. استدارت نحوهم وصرخت بصوت يهز جدران المقصورة: “كم مرة أخبرتكم أن القوة هي الشيء الوحيد الذي يتحدث في البحر؟!” فأجابها العشرة بصوت واحد، منضبط وحازم: “دائمًا يا قائدة!”
عادت ديانا بنظرها إليّ، وقد تبدل وجهها من مرح ساخر إلى جدية نادرة. قالت: “لن أعترف بأحد قائدًا لي إلا من يهزمني، وأنت هزمتني.” ثم دون سابق إنذار، انحنت وركعت على ركبة واحدة أمامي، فتبعها قادتها العشرة في مشهد واحد متزامن، وكأن الجميع كانوا ينتظرون هذه اللحظة. ساد صمت المقصورة للحظات، قبل أن تكسره سكارليت بتنهيدة طويلة وهي تقول: “لم أتوقع أن ننتهي بجيش كامل من القراصنة في يوم واحد.”
في تلك الليلة، شرحت لي ديانا طبيعة قدرتها بنفسها، وهي تدعى “الملكة الصغيرة”. تمنح هذه القدرة أتباعها زيادة في القوة والقدرة على التحمل بنسبة خمسة عشر بالمئة، بشرط أن يكونوا أضعف منها. وكلما ازداد عدد أتباعها، ازدادت قوتها هي شخصيًا، وكأن كل تابع جديد يضيف جزءًا من قوته إلى رصيدها الخاص، ما يجعلها تنمو أقوى كلما اتسعت مملكتها الصغيرة.
في الأيام التالية، بدأ تدريب مشترك بيني وبين ديانا على سطح السفينة. ورغم أنها كانت تفوقني طولًا بشكل ملحوظ، إذ بلغ طولها مئتين وخمسة سنتيمترات مقابل مئة وخمسة وثمانين سنتيمترًا لي، إلا أن ذلك لم يمنعها من التلقي ضربًا متكررًا على يدي في كل جولة تدريب. كانت تسقط أرضًا مرة تلو الأخرى، تنهض متذمرة، ثم تعود للهجوم من جديد.
بعد سقوطها للمرة الثالثة في يوم واحد، استلقت على ظهرها وهي تضحك بصوت عالٍ وقالت: “من كان يظن أن رجلًا أقصر مني بهذا الشكل سيطرحني أرضًا بهذه السهولة؟ ربما يجب أن أجرب معك أوضاعًا أخرى غير القتال.” انفجر ليون ضاحكًا من بعيد، بينما هزت سكارليت رأسها بيأس معتاد وهي تتمتم: “ها قد بدأت مجددًا.” فديانا، كما اتضح لي سريعًا، امرأة صاخبة مرحة، لا تكاد تمر جولة تدريب أو حديث عابر دون أن تُطلق نكتة منحرفة أو تعليقًا مثيرًا للحرج، وكأن هذا جزء أصيل من شخصيتها لا تستطيع الاستغناء عنه.
خلال إحدى جولات التدريب، توقفت ديانا فجأة وهي تلهث، وقالت بجدية نادرة: “بصراحة، أنا نفسي لا أفهم قدرتي جيدًا في بعض الأحيان.” سألتها عمّا تقصد، فأوضحت: “أحيانًا تمنحني زيادة بخمسين بالمئة في قوتي، وأحيانًا أخرى تصل الزيادة إلى ستين بالمئة، دون أن أعرف بالضبط ما الذي يتحكم في هذا الفارق.” فكرت في كلامها للحظة، لكنني لم أعلق، واكتفيت بتخزين الملاحظة في ذهني.
ولم تكن ديانا لتفوّت أي فرصة لتذكيري بموقف لقائنا الأول، إذ كانت تعيد الحديث عنه كلما سنحت الفرصة، تضحك وتقول بنبرة استفزازية: “لا تنسَ أنك أول من أثنى على حجم صدري العملاق قبل أن تعرف حتى اسمي.” وكل مرة كانت تفعل ذلك، كانت سكارليت تطلق تنهيدة استسلام، بينما كنت أكتفي بتجاهل الموضوع قدر الإمكان.
في أحد الأيام، وأثناء استعراض عام لقوات ديانا، اكتشفت أن جيشها يضم ما يقارب ألف مقاتل، نصفهم تقريبًا من المستوى الثاني، وهو رقم مهيب بالنسبة لقراصنة تشكلوا خلال سبع سنوات فقط. نظرت إلى الصفوف الطويلة من المقاتلين المصطفين على السفن، وقلت لديانا: “لديك جيش مذهل حقًا. لو كنا اخترنا خوض قتال شامل بدل قتال القادة لكنا خسرنا لا محالة.” ابتسمت ديانا بثقة، وقالت وهي تميل برأسها نحوي: “تقصد جيشك أنت، بما أنني خضعت لك.”
لم يدم الإستعداد طويلا حتى اتخدنا قرارنا بلقاء لورد الخليج الأزرق
اتجهنا جميعًا نحو قصر لورد مدينة الخليج الأزرق، الذي كان قد تواصل معه أراك وفولك مسبقًا لطلب المساعدة في مهمتنا. استقبلنا اللورد بحفاوة بالغة، وأجلسنا في قاعة استقبال واسعة تزينها راياتٌ قديمة تحمل شعار المدينة. بعد تبادل التحيات، قال بنبرة جادة: “يسعدني تعاوننا معكم، لكن يجب أن أوضح لكم أمرًا مهمًا؛ حرّاسي ليسوا بالقوة الضاربة التي قد تتخيلونها، فلا تتوقعوا منهم الكثير.”
ثم رفع يده مشيرًا إلى أحد الحرس عند الباب، فاستدعى امرأة كانت واقفة في طرف القاعة. تقدمت بخطى ثابتة ومنضبطة، تحمل هيئة قائد عسكري محترف، شعرها أزرق يلمع تحت أضواء القاعة، وعيناها تحملان حدة من اعتاد إصدار الأوامر لا تلقيها. قدّمها اللورد قائلًا: “هذه أريا، قائدة حرس المدينة، ومتحكمة متقدمة.”
حيّت أريا الجميع بانحناءة رأس قصيرة ورسمية، متنقلة بنظرها من شخص إلى آخر بثقة واضحة، حتى وصلت إليّ. في تلك اللحظة بالذات، تجمّد جسدها فجأة، وتراجعت خطوة كاملة إلى الوراء وقد ارتسمت على وجهها علامات خوف حقيقي لم تحاول إخفاءه. ساد صمت قصير مربك داخل القاعة، وبدا واضحًا أن غريزتها القتالية القوية، التي اعتادت أن تحذرها من الخطر قبل وقوعه، كانت تصرخ في داخلها بأن الرجل الواقف أمامها ليس مجرد متحكم شامل عادي، بل وحش حقيقي لا ينبغي استفزازه بأي شكل. حاولت أريا استعادة رباطة جأشها بسرعة، واعتذرت بصوت مرتجف قليلًا: “أعتذر… لم أقصد التصرف بهذا الشكل.”
بعد أن هدأت الأجواء، انتقل الحديث إلى صلب الموضوع. أوضح اللورد أن قوات الحراسة تضم ثلاث سفن حربية، وثلاثمئة مقاتل من المستوى الثاني، وأربعة متحكمين أوليين تحت قيادة أريا مباشرة. بعد نقاش مقتضب حول الخطة وأهدافها، وافقت أريا على الانضمام إلينا لمساعدتنا في الإطاحة باللحية السوداء، قائلة بنبرة استعادت حزمها المعتاد: “أي شيء يخلص هذه المدينة من كابوس القراصنة، أنا مستعدة له.”
قبل أن ننهي اللقاء، طلبت أريا مبارزة تجريبية معي، ربما في محاولة لاستعادة ثقتها بنفسها بعد الموقف المحرج الذي مرت به قبل قليل. وافقت دون تردد. وقفنا في ساحة صغيرة ملحقة بالقصر، وبمجرد أن بدأت المبارزة، اندفعت أريا بسلسلة هجمات سريعة ومدروسة تحمل بصمة تدريب عسكري صارم. تفاديت كل ضرباتها الواحدة تلو الأخرى بحركات محسوبة، حتى وجدت الفجوة المناسبة، فأمسكت بذراعها وطرحتها أرضًا برفق نسبي. لم يتجاوز الأمر بأكمله ثلاثين ثانية.
نهضت أريا وهي تلهث قليلًا، تنظر إليّ بمزيج من الدهشة والإعجاب، وسألت: “من أين تعلمت فنون قتال بهذه الدقة؟” فكرت للحظة قبل أن أجيب: “شاهدت مرة فارسًا كبيرًا يُدعى يوليوس وهو يتدرب، وأعجبتني حركاته، فحاولت تقليدها مرارًا حتى أتقنتها بنفسي.” رفعت أريا حاجبها باستغراب وقالت: “تقليد حركات فارس أسطوري بهذه الدقة من مجرد مشاهدة؟ هذا وحده يفسر الكثير.” ابتسم اللورد من مكانه وهو يراقب المشهد، وعلّق بصوت هادئ: “يبدو أن اختياركم للتحالف معنا كان قرارًا موفقًا حقًا.”