الفصل 207
مرّ أسبوعان على اعتزال جورج ورحيل أراك المفاجئ، أسبوعان حمل خلالهما إيفان ثقلاً مضاعفًا: قلق دائم على صديقه الغائب الذي لم يصل منه أي خبر، ومسؤولية متزايدة تجاه فريق يفتقر الآن إلى اثنين من أقوى أعمدته. لكن وسط كل هذا الثقل، وجد إيفان نفسه، في أوقات نادرة من الهدوء، يراقب بإعجاب صامت تطورًا مختلفًا تمامًا يحدث أمام عينيه: توماس، الشاب الذي كاد يفقد حياته في كمين قديم، بدأ يتحول تدريجيًا، تحت إشراف جورج البعيد لكنه ملتزم، إلى شيء أقرب بكثير إلى القائد الواعد الذي رآه إيفان فيه منذ البداية.
“كيف يسير تدريبك؟” سأل إيفان توماس في صباح أحد الأيام، بعد أن راقبه لبعض الوقت يتدرب وحيدًا في ساحة فارغة قرب أسوار المدينة، حركاته أكثر دقة وتحكمًا مما اعتاد رؤيته من مقاتل في مستواه.
توقف توماس عن التدريب، عرق خفيف يلمع على جبينه رغم برودة الصباح. “أفضل مما توقعت يا سيد إيفان، بفضل جورج. أتقنت الدرس الأول قبل بداية تدريب جورج، التكثيف والتخفيف، بعد أسابيع من المحاولة المتكررة. أشعر الآن أنني أستطيع أن أشحن كل طاقتي في لحظة واحدة حاسمة، ثم أخفف تدفقها فورًا لأوفر ما تبقى مني لما هو قادم.”
“وماذا عن الدرس الثاني؟” سأل إيفان بفضول حقيقي، غير متمرس بتفاصيل هذا النوع من التدريب التدريجي، فقد بلغ مستواه الحالي بطريقة مختلفة تمامًا، أقرب إلى الغريزة الخام المصقولة بالقتال المباشر لا بمنهج تدريبي منظم.
“أتقنته أيضًا منذ أسبوع تقريبًا،” أجاب توماس بفخر محسوب، لا يريد أن يبدو متبجحًا أمام رجل يحترمه بعمق. “التعزيز بالإرادة، القدرة على توجيه كل ما تراكم لدي من إرادة مباشرة نحو عضلاتي وحواسي و عقلي، تقويتها لتجاوز مستوى البشر العاديين بما يتجاوز حدودها الطبيعية. جورج يقول إن هذا هو جوهر ما يميز مقاتلًا حقيقيًا بلغ مستوى الفهم عن مبتدئ لا يزال عند مستوى الفهم الخام.”
نظر إيفان إليه بإعجاب متزايد. “إذن أنت قريب جدًا من مستوى الفهم الكامل الآن.”
هزّ توماس رأسه، لكن ظلاً من الإحباط مرّ على وجهه. “أتقنت الدرسين المطلوبين، نعم. لكن جورج يقول إن هذا لا يكفي وحده لأعبر إلى مستوى التحكم الحقيقي. يقول إنني أحتاج خطوة أخيرة، أصعب بكثير من الدرسين السابقين: خلق وعاء لإرادتي.”
“وعاء لإرادتك؟” سأل إيفان بفضول متزايد، مفهوم لم يسمعه من قبل بهذا الوضوح رغم أنه، بطريقة ما، عاشه بنفسه دون أن يدركه بهذه المصطلحات الدقيقة.
“هذا ما شرحه لي جورج على الأقل،” قال توماس بجدية، محاولاً استحضار كلمات معلمه بدقة. “يقول إن الإرادة، في مستوييها الأولين، تبقى طاقة خامًا متناثرة، قوية لكنها بلا شكل ثابت، كماء يتدفق في كل اتجاه دون قناة تحصره. للوصول إلى مستوى التحكم، يحتاج المقاتل أن يخلق داخل نفسه بنية واعية، شكلاً ثابتًا لإرادته، وعاءً يحتوي كل تلك الطاقة المتناثرة ويوجهها بدقة بدل تركها تتبدد أو تفلت من السيطرة في لحظات الضغط القصوى.”
فكّر إيفان في هذا التفسير بجدية، محاولاً تذكّر كيف بلغ هو نفسه مستوى التحكم قبل سنوات، لكنه أدرك أن رحلته كانت مختلفة تمامًا، أقرب إلى انفجار غريزي في لحظة يأس قاتلة من كونها عملية تدريجية واعية كتلك التي يصفها توماس.
“وكيف يُخلَق هذا الوعاء؟” سأل إيفان، فضوله الشخصي يتجاوز الآن مجرد الاهتمام بتقدم تلميذ صديقه.
تنهد توماس بإحباط خفيف. “هذا بالضبط ما لا يستطيع جورج أن يعلّمني إياه بشكل مباشر، مهما حاول. يقول إن كل شخص يخلق وعاءه بطريقة مختلفة تمامًا، غالبًا في لحظة ضغط نفسي أو عاطفي شديد يجبر الوعي على التبلور حول شكل واضح دفعة واحدة، لا عبر تدريب متكرر هادئ كما فعلت مع الدرسين الأولين. يقول إنه لا يستطيع أن يخلق لي تلك اللحظة، ولا حتى يتنبأ بموعدها، فقط يستطيع أن يعدّني بأفضل ما يملك من حكمة، وينتظر معي حتى تأتي، إن أتت أصلاً.”
شعر إيفان بثقل هذا الكلام يستقر في صدره، إدراك مقلق بأن أعظم تطور قد يحتاجه أقرب الناس إليه قد لا يأتي إلا عبر ثمن مؤلم لم يستطع أي منهم توقعه بعد. لم يكن يعرف حينها كم سيكون ذلك الثمن قريبًا وقاسيًا حين يأتي أخيرًا.
في ذلك المساء، وصل أراك فجأة، بلا سابق إنذار، كما اختفى تمامًا قبل أسابيع. بدا مختلفًا قليلاً حين دخل مكتب فولك، عيناه تحملان ثقلاً جديدًا لم يكن موجودًا من قبل، لكن حضوره نفسه بعث ارتياحًا حقيقيًا في نفوس الجميع.
“أراك!” قال إيفان، مبتعدًا عن الطاولة ليعانق صديقه بحرارة نادرة منه. “قلقنا عليك كثيرًا.”
“أعتذر عن اختفائي المفاجئ،” قال أراك بصدق، جلس على مقعد بتعب واضح. “كان علي أن أتحقق من شيء بنفسي، شيء أعاد إليه ذكر سيد الرماد ذلك اليوم مع الفرسان المقدسين. لم أجد إجابات كاملة بعد، لكنني وجدت شيئًا آخر قد يكون أهم بكثير لكم الآن: معلومة حاسمة عن هوية من يموّل الذئاب السود وبقية قُطّاع الطرق.”
جلس الجميع بانتباه فوري، ثقل الأسابيع الماضية من التساؤلات المعلقة يتركز أخيرًا نحو إجابة محتملة.
“أثناء بحثي عن أثر شخصي في كارنوث،” شرح أراك، “تعقّبت شبكة تجارية غامضة استخدمت طرق أوسترين قبل تطهيرها لتهريب بضائع محظورة، الشبكة نفسها التي أعتقد أنها استُغلت في الظروف التي أدت إلى يُتمي قبل سنوات طويلة. تتبعت خيوطها بصبر، حتى وصلت إلى مصدرها الحقيقي.”
توقف للحظة، ينظر مباشرة إلى فولك. “بيت فولغرين، يا فولك. نفس البيت التجاري الذي رفضتَ عرضه قبل أشهر.”
شعر فولك بصدمة حقيقية تمتزج بيقين متزايد كان يشك فيه منذ فترة دون تأكيد كامل. “كنت أشك في ذلك منذ توتر اللورد دورين الغريب، لكن لم أملك دليلاً قاطعًا حتى الآن.”
“لدي أكثر من دليل واحد الآن،” أكّد أراك بجدية. “وثائق شحن مشبوهة، شهادات من عمال ميناء يتذكرون تسليم أسلحة وموارد لمجموعات مقنّعة في أماكن نائية على أطراف كارنوث، وأهم من ذلك: اسم وسيط صغير اعترف، تحت ضغط مالي بسيط جدًا صراحة، أن بيت فولغرين هو من يدفع له لتنسيق التمويل غير المباشر للذئاب السود، عبر طبقات متعددة من الوسطاء تصعب تتبعها لغير الصبور.”
جلس إيفان صامتًا، يستوعب حجم الخديعة التي تتكشف أخيرًا أمامه، دافع اقتصادي بارد لم يفكر فيه من قبل بوضوح كافٍ. “لماذا؟ لماذا يموّلون عصابة تهاجم طريقًا لا علاقة مباشرة لهم به؟”
أجاب فولك، صوته يحمل مرارة رجل يرى أخيرًا صورة كاملة كان يشك في أجزائها منذ زمن. “لإبقاء أوسترين ضعيفة يا إيفان، غير قادرة على أن تصبح منافسًا تجاريًا مستقبليًا يهدد مصالحهم في المنطقة. طالما ظلت طرقنا خطرة، ظل اقتصادنا هشًا، وظللنا بحاجة ماسة لأي مساعدة خارجية، حتى لو جاءت بشروط مجحفة كتلك التي عرضوها علينا في البداية. حين رفضت عرضهم، غيّروا استراتيجيتهم: بدل شرائنا بشروطهم، قرروا إبقاءنا ضعفاء بما يكفي كي نضطر للقبول لاحقًا، أو حتى ننهار تمامًا فلا نشكل تهديدًا من الأساس.”
“وحقوق التنقيب الجبلية،” أضاف إيفان بمرارة متصاعدة، متذكرًا تفاصيل العرض الأصلي الذي رفضه فولك قبل أشهر. “يريدون إبقاء الطريق مفتوحًا لهم وحدهم للتفاوض على تلك الحقوق، دون منافسة محلية قوية قد ترفع الثمن أو تفرض شروطًا أفضل.”
جلس الجميع صامتين لبعض الوقت، يستوعبون ثقل هذا الكشف الكامل: أن كل قطرة دم أُريقت في غابة الظل الرمادي، كل جريح سقط، كل ليلة قلق عاشتها مارتا أو أي أم أخرى في هذه المدينة، لم تكن سوى نتيجة مباشرة لحسابات باردة في مكتب تجاري بعيد، لا صراع عشوائي مع قُطّاع طرق يائسين يبحثون عن قوت يومهم فقط.
“هذا… أبشع مما تخيلت،” قال بوريس أخيرًا، غضب هادئ يتصاعد في صوته المعتاد الهادئ. “ليسوا مجرد تجار طموحين يتنافسون بقسوة، بل أشخاص يخططون بوعي كامل لإبقاء آلاف الناس في فقر وخطر دائمين، فقط لضمان ربح أكبر لهم في المستقبل.”
شعر إيفان بغضب هادئ لكنه عميق يتصاعد في صدره، مختلف عن أي غضب شعر به من قبل تجاه قُطّاع الطرق أنفسهم، الذين، رغم كل شرهم، كانوا في النهاية أدوات بائسة لخطة أكبر بكثير منهم، ربما ضحايا لظروفهم الخاصة بقدر ما كانوا مصدر خطر لغيرهم.
“سيفي لا يستطيع فعل شيء حيال هذا يا فولك،” قال إيفان أخيرًا بصدق مرير. “لا أستطيع أن أقتحم مكتب بيت فولغرين في كارنوث وأطالبهم بالتوقف. هذه ليست معركة تُحسم بالقوة المباشرة.”
“لا،” وافق فولك بجدية هادئة. “لكنها معركة يمكن أن تُحسم بالأدلة والقانون والسمعة، إن جمعنا ما يكفي منها بصبر كافٍ. لدينا الآن خيط حقيقي يا إيفان، أول خيط ملموس يربط كل هذه المعاناة بمصدرها الفعلي. هذا وحده يستحق الاحتفال به، ولو بحذر.”
في تلك الليلة، جلس إيفان وحيدًا في غرفته بنُزل الغراب الأسود، يفكر مطولاً في ثقل ما اكتشفه ذلك اليوم. تذكّر وجه إيزولدا فولغرين الباردة الأنيقة في ذلك اللقاء الأول، ابتسامتها المصقولة التي أخفت، كما اتضح الآن، حسابات باردة لا تأبه بأرواح بشرية حقيقية طالما كانت النتيجة النهائية تخدم مصلحة بيتها التجاري.
فكّر أيضًا في توماس، في حديثهما الصباحي عن “وعاء الإرادة” الذي ينقصه ليكتمل، وفي كلمات جورج عن أن ذلك الوعاء غالبًا ما يتشكل في لحظة ضغط عاطفي شديد لا يمكن التنبؤ بها. شعر بقشعريرة غريبة تسري في جسده وهو يفكر في هذه الفكرة، خوف غامض غير محدد المصدر بعد، وكأن جزءًا منه يعرف، بحدس لم يستطع تفسيره بوضوح كامل تلك الليلة، أن لحظة كهذه،قد مر بها من قبل لا يستطيع التذكر جيدا و لكنه يعلم انه اتقن كلا الدرسين و انه استيقظ احدى المرات في ساحة مليئة بالجثث و قد بلغ بالفعل المستوى الثالث هذا ركز عليه سؤال واحد: هل شكل وعاءه و هو في حالة التحول