الفصل 53 - حرب العصابات (08)
لم يكن النصر هذه المرة برائحة الزهور.
كان برائحة البخور الطبي الحاد الذي يخترق الأنف قبل أن تعبر العتبة، والأعشاب المرة التي تترك طعمها على اللسان حتى حين لا تلمسها، والدم المتخثر الذي يأبى مغادرة ما تحت الأظافر مهما حككتها. رائحة لا تُشبه الانتصار في القصص، تُشبه ما هو أصدق منها وأقسى.
داخل أروقة القصر الباردة، التي كانت جدرانها الحجرية الرمادية تحبس برودة لا تذوب حتى في الصيف، استلمنا أطباء النخبة وعلى رأسهم الطبيبة إينا.
كانت إينا امرأة في أواسط الثلاثينيات، بشعر اسود قصير مربوط خلف أذنيها بعناية عملية لا تزيين فيها، وعيون رمادية فاتحة تنظر إلى الجروح بالطريقة ذاتها التي ينظر بها النجار إلى الخشب المكسور: تقييم لا عاطفة، حل لا تأسف. حركاتها كانت رشيقة ودقيقة حين تعمل، كأنها تعزف سيمفونية فوق جروحنا المفتوحة، كل حركة في مكانها لا تتأخر ولا تتقدم. بفضل علاجاتها المركزة، بدأ ذلك الثقل الجنائزي الذي استقر في أجسادنا يتلاشى تدريجياً، تدريجياً بما يكفي ليحل محله شيء يشبه الراحة، وإن ظل الخدر يسكن الأطراف ساكناً كضيف لا يستأذن في المغادرة.
اقتربت مني إينا وهي تمسح ما بقي من آثار الدم عن يديها بقطعة قماش بيضاء تحولت إلى وردية باهتة. نظرت إليّ بنظرة تحمل في طبقتها السفلى تقديراً خفياً لا تُعلنه الكلمات بسهولة.
“لقد حققتم المستحيل بفعلتكم هذه يا دارون. العودة بهذه الغنائم من قلب وكر الذئاب ليست بالأمر الهين.”
ابتسمتُ بوهن، وأنا أشعر بلسعات الترياق تمشي في خاصرتي كنمل صغير يُعلن وجوده بإلحاح.
“كل هذا بفضل تكاتفنا معاً. لم يكن ليفعلها أحد منا بمفرده.”
ردت وهي تنظر في عيني مباشرة بتلك النظرة التي لا تُريد أن تُفوّتك:
“لقد سمعتُ عن مهارتك في إرشاد الجنود، وعن تلك الخطة بترك منفذ للعدو للهرب. لقد أنقذتَ حياة الكثيرين بهذا القرار.”
أجبتُها بصدق مرّ لا أجد سبباً لتحليته:
“إنه مجرد تخطيط بسيط. بعد كل شيء، مررتُ بموقف مشابه جعلني أقاتل كوحش انتحاري حين حوصرت. لم أرد أن يمتلك هؤلاء القتلة ذلك النوع من القوة التي يمنحها اليأس.”
ابتسمت إينا بوقار هادئ، ثم غادرت لتكمل مهامها مع البقية، حاملةً معها تلك الكفاءة الصامتة التي تجعل وجودها ضرورة لا رفاهية.
غرقنا بعدها في فوضى عاطفية لا تشبه الاحتفال ولا الحداد، بل شيء بينهما لا اسم له بالضبط.
تشاركنا النظرات أكثر مما تشاركنا الكلمات. بعض الجمل المقتضبة عن لحظات الموت التي لامستنا كل منا من زاويته الخاصة، تلك اللحظات التي لا تُسرد بشكل كامل لأن من لم يعشها لن يفهمها، ومن عاشها لا يريد إعادة تفصيلها. ثم غرقنا جميعاً في نوم عميق، نوم ثقيل بثقل كل ما حدث، يعكس مقدار التعب الذي نهش أرواحنا قبل أجسادنا ووصل إلى مكان لا تصله الضمادات.
في اليوم التالي، لم تكن الشمس مشرقة كما اعتدنا.
كانت باهتة خلف غطاء من السحب الكئيبة الرمادية الثقيلة، كأنها هي أيضاً لا تريد أن ترى ما سيحدث اليوم بعيون كاملة. الهواء كان بارداً أكثر من المعتاد، يحمل رطوبة تجعل الملابس تلتصق بالجلد وتُذكّرك باستمرار بأنها موجودة.
شُيّدت الجنازة للأبطال الخمسة الذين سقطوا.
خمسة توابيت خشبية مصفوفة بانتظام صارم على أرض القصر الخارجية، مغطاة بأقمشة داكنة تحمل شارة المدينة. حضرها الجميع، من القادة في دروعهم التشريفية إلى أبسط سكان المدينة الذين جاؤوا بوجوه مُعصّبة بالحزن وأيدٍ خالية إلا من بعض الأزهار البيضاء التي لم تتفتح بعد.
وقفتُ بين الحاضرين أُحاول أن أكون جداراً يقف ولا يتزعزع، لكن الجدران أيضاً تشعر بثقل ما تحمله.
اقتربت مني خمس عائلات.
كنتُ أتوقع الغضب. تلك الطبيعة الأولى للحزن المفاجئ، حين يبحث الألم عن وجه يستقر عليه. كنتُ أتوقع الإهانة ربما، أو صرخة، أو نظرة تقول أشياء لا يجرؤ صاحبها على نطقها. كنتُ مستعداً لذلك، أو على الأقل ظننتُ أنني مستعد.
لكن نظراتهم كانت مزيجاً يفطر القلب بطريقة لا يفطره بها الغضب.
حزنٌ عميق وانكسار ينزّ من كل تفصيلة في وجوههم، في انحناء الأكتاف وفي الطريقة التي تتحاشى بها أعينهم أعين بعضهم. لكن في أعماق ذلك الحزن، في مكان لا يُعلنه أحد بسهولة، كانت هناك إرادة صلبة لا تتزعزع.
قابلوني بالشكر.
تقدمت إحدى الأمهات، امرأة في الخمسين بشعر رمادي فضي وأيدٍ تحمل تجاعيد العمل الطويل. توقفت أمامي وفي يدها مناديل ابيضت من كثرة الضغط عليها، ودموعها تجري دون أن تُحاول إيقافها.
“شكراً لك يا بني. لأنك منحتهم فرصة الموت كأبطال، بدلاً من موت عبثي في زقاق مظلم.”
شعرتُ بداخلي بمرجل يغلي بمشاعر لا تتفق مع بعضها. حزن وألم وتأنيب ضمير خانق لا يجد له مبرراً واضحاً حين تُفكر فيه بعقل بارد، لكنه موجود ولا يستأذن.
لم أفهم تماماً لماذا أشعر بالذنب رغم أننا انتصرنا. لكنني أقسمتُ في سري، في تلك اللحظة بينما الأم أمامي تُمسح دموعها بمنديل أبيض، أن أكون عند حسن ظنهم. لأجلهم، ولأجل تلك الخمسة التي لن تعود.
انتقلتُ إلى الجانب الآخر من المكان حيث كان رين واقفاً.
كان يقف باستقامة صارمة أمام التوابيت كصنم من رخام، لا يتحرك ولا يُحوّل نظره. وجهه حجر لكن في عينيه شيء ينفجر بهدوء. وصلتُ إليه، فنظر إليّ بعيون غائرة تحمل سهراً وأكثر من السهر.
“أحد أفراد فرقتي في حالة حرجة يا دارون.”
أومأتُ برأسي ببطء.
“لقد رأيتُه خلال طريق العودة. كان يقاتل بضراوة.”
أجاب رين بمرارة تسحق الكلمات قبل أن تخرجها:
“قالت إينا إنه سيعيش. لكنه لن يقوى على حمل السلاح مرة أخرى. لقد انتهى طريقه كمقاتل.”
توقف. ابتلع شيئاً.
“كان رفيقاً أمضى معي دهراً. كنا أشبه بعائلة.”
صمت قصير ثقيل كحجر. ثم اشتعلت في عينيه نيران لم أرها فيه من قبل، ليست نيران الغضب الساخن بل ذلك النوع الأبرد والأطول أمداً.
“أتعلم يا دارون؟ لم أعد أهتم بالمال أو المكافأة بصفتي مرتزقاً. سأقاتل الآن لأمزقهم حتماً. لن أسمح لهم بفعل ما يشاؤون أبداً. إنه انتقامي الخاص ولن أتوقف حتى أناله.”
وقفتُ صامتاً ولم أرد.
تذكرتُ الحرب الأولى، حين تمزّق كتف إيمي وكيف كانت تلك اللحظة تحرق في داخلي شيئاً لا يطفئه الهواء ولا الماء، تلك الرغبة في تمزيق الوغد المسؤول مهما كلفني الثمن وأياً كان الثمن. لم أملك حق انتقاد رغبة رين في الانتقام لأنني تذوقتُ طعمها من قبل ولا أزال أتذوقه حين أفكر في تلك اللحظة. لذا تراجعتُ خطوة وتركتُ له مساحته مع ما يحمله. بعض الأشياء لا تحتاج إلى تعليق.
على الجانب الآخر من الساحة، كان ستارك يقف باستقامته الأنيقة المعتادة.
درعه يلمع حتى في هذا الضوء الباهت الكئيب، كأن اللمعة فيه ليست من التلميع بل من شيء داخله. اقتربتُ منه فنظر إليّ بهدوء مهيب، ذلك النوع من الهدوء الذي لا يأتي من غياب المشاعر بل من السيطرة عليها بيد لا ترتجف.
“دارون. لقد أقسمتُ على حماية هذه المدينة، ولا أنوي التراجع عن قسمي أبداً. سأموت في سبيل كل من أعتز بهم.”
تنهّد بعمق وهو ينظر نحو التوابيت الخمسة المصفوفة بصمت.
“عسى أن يكون موت هؤلاء الأبطال سبيلاً لأفتح عيني على الواقع المر. العدو ليس مجرد عصابات، بل هو وباء يجب استئصاله لا مجرد مكافحته.”
سمعتُ في كلماته شيئاً تغيّر. ليس في المعنى بل في الطريقة التي خرجت بها الكلمات، أثقل قليلاً، أكثر يقيناً، كأن هذا اليوم طبع شيئاً في داخله لن يُمحى.
استمرت مراسم الجنازة حتى وُوري الأبطال الثرى تحت التراب الرطب بالمطر الذي لم يأتِ.
اكتمل اليوم في ذات الجو الكئيب الذي بدأ به، السحب لم تنكشف والشمس لم تتجرأ على الظهور كاملة. كأن السماء أيضاً كانت تُودّع.
كنا قد استعدنا المؤن. نعم. الأسواق ستعود، والخبز سيصبح في المتناول مرة أخرى، والناس سيخرجون ببطء من تلك القوقعة التي دفعتهم إليها الأيام الأخيرة.
لكننا فقدنا شيئاً آخر لا يُستعاد بالمؤن.
جزءاً من ذلك السلام الداخلي الذي يجعل الحياة تشعر بأنها تستحق ما نبذله في سبيلها.
وأدركنا، كل منا بطريقته الخاصة وفي صمته الخاص، أن القادم لن يكون مجرد معارك تنتهي وتُحسب. القادم كان جحيماً بطيئاً، لا تكفيه القوة وحدها، بل يحتاج إلى شيء أصلب من الفولاذ وأعمق من المهارة.
يحتاج إلى إرادة لا تعرف كيف تنكسر.
وأنا لا أزال أبحث في نفسي إن كنتُ أملكها حقاً.