الفصل 51 - حرب العصابات (06)
تحت سماء ملبدة بدخان الحرائق وصرخات الرعب، تحول معسكر العصابة إلى ما لا اسم مناسب له غير المجزرة.
الخوف كان يملأ الصدور. لكن الدخول في المعركة سلبنا رفاهية التردد. خمسون روحًا مستعدة للموت في مواجهة ستمئة ظنوا أن العالم ينتهي عند حدود قوتهم، وجدوا أنفسهم اليوم يكتشفون أن الحدود الحقيقية للعالم شيء آخر.
بمجرد اختراق البوابات، انقسمت المعركة إلى ساحات. كل ساحة كانت جحيمها الخاص. كل فريق كان يواجه كابوسه المحدد.
في منتصف الفوضى الشمالية من المعسكر، كان محمد يرقص.
ليس مجازًا. كان يرقص حرفيًا بسيفه المنحني، حركات متواصلة لا تتوقف، يمتص ضربات القائد الأول بمرونة جسد اعتاد أن يكون الأسرع في أي غرفة يدخلها. القائد كان ضخمًا وضرباته غاشمة بما يكفي لتكسر الأرض لو أصابت. محمد لم يسمح لها بالإصابة.
وبجانبه كارل، يواجه القائد الثاني.
جسد كارل كان ينزف. من كتفه اليسرى. من طرف حاجبه الأيمن. من مكان آخر في خاصرته لم يتوقف ليفحصه. لكن عيني كارل كانتا تفعلان شيئًا لم أرَه فيهما من قبل.
كانتا تدركان.
كل ضربة من القائد الثاني كانت تحمل ثقلًا مختلفًا. ليس ثقل الجسد والقوة فقط. بل شيء آخر. إرادة مكثفة تصنع الضربة أقوى مما ينبغي. وكارل الذي بدأ رحلته يستشعر الإرادة فقط، كان الآن يفهم. يفهم ما يواجهه. وهذا الفهم وحده كان يجعله يصمد رغم الدم.
على الجانب الآخر من المعسكر، كانت كيرا ورين يواجهان القائد الثالث.
تنسيقهما لا يحتاج إلى كلمات. رين يتحرك بخطوات سريعة محسوبة، يُشغل القائد ويُبقيه يتابع اليمين واليسار دون أن يسمح له بالاستقرار. وكيرا خلفه، أو على جانبه، أو حيث لا يتوقع. تبحث بنصليها الفضيين عن الثغرة. تلك اللحظة الواحدة حين تنكشف نقطة لا يحميها الدرع ولا تغطيها الإرادة.
في ركن مظلم من المعسكر، حيث الدخان أكثف، كانت المعركة الأكثر توازنًا من بين كلها.
إيمي بنصليها، القصير والمتوسط، تتحرك بتلك الطريقة المألوفة التي تجعل كل خطوة تبدو كجزء من حركة أكبر. نور خلفها أو على مرتفع قريب، سهامها تنطلق بإيقاع منتظم كأنه قدر موزع بعناية. وجين أمامهما كجدار. يتلقى ما يأتي. يُمسك ما يصل. فأسه ودرعه الضخمان يصنعان حاجزًا صلبًا أمام القائد الرابع لا تخترقه كل ضربة، لكنه يتراكم.
أما القائد السادس، فقد كان سيئ الحظ بطريقة لا يُحسد عليها أحد.
وجد نفسه في مواجهة جون.
فارس من المستوى الثالث لا يجد معادلاً في المعسكر كله. الفجوة في كثافة الإرادة كانت شاسعة كالفجوة بين صوت الرعد وصوت الإنسان. القائد السادس لم يفهم ما يواجهه إلا حين انتهت المواجهة. وكان قد انتهى قبل أن يفهم.
ضربة واحدة حاسمة. وسقط.
أما قتالي…
فقد كان رحلة نحو القبر.
واجهت القائد الخامس. رجل لا يعتمد على الضخامة ولا على البنية. يحمل خنجرين طويلين. جلده داكن وعيناه باردتان بطريقة البرودة التي تعني أنه رأى أشياء كثيرة ولم تعد تؤثر فيه.
بمجرد أن بدأنا، أدركت.
حركاته لم تكن سريعة فحسب. كانت تتوقع. كل رد فعل أقوم به كان يجده في انتظاري على الطرف الآخر. كأنه يقرأ قراراتي قبل أن أقررها.
ثلاث ضربات. الأولى تفاديتها. الثانية خدشت ذراعي اليسرى. الثالثة أصابت جانبي.
تراجعت.
فعلتها.
العقل الفعال.
انفتح الوعي على مصراعيه. العالم تباطأ بتلك الطريقة المألوفة المؤلمة. كل حركة من القائد صارت واضحة المسار قبل أن تكتمل. كل نية قبل أن تتحول إلى فعل.
وانفصل الفهد.
خرج من ظلي بزمجرة صامتة وانطلق. لكن في اللحظة ذاتها، شعرت بشيء يُنتزع. كأن ما كان يسند عقلي من الداخل انسحب معه. الفهد حين يكون خارجي يعمل كجزء منه، لكن ارتباطنا يسحب معه جزءًا من ذلك الدعم الذي كنت قد اعتدت على وجوده دون أن أعي تمامًا كم كنت أعتمد عليه.
وعيي بدأ يُنهار ببطء.
الخنجر الأول وجدني.
غاص في خاصرتي.
ليس ألمًا فوريًا. بل برودة. كالبرودة التي يتركها الجليد حين يلامس الجلد أول لحظة قبل أن يتحول إلى حرقة. والبرودة انتشرت.
السم.
شعرت به يسري في الدم. يتحرك ببطء مقصود كأنه يعرف أين يريد الوصول. والعالم بدأ يتلاشى. ليس فجأة. بالطريقة التي ينسحب بها النهار تدريجيًا حين يأتي الليل.
سقطت على ركبتي.
الدم في فمي. مذاق معدني دافئ.
رفعت رأسي.
ورأيت النصل.
يتجه نحو عنقي.
بطيء. واثق. محسوب.
“هذه هي النهاية.”
الفكرة جاءت بهدوء مرعب. بهدوء من قرر ويعرف. عقلي المحترق همسها لي كحقيقة لا كاحتمال.
لكن في تلك النبضة الأخيرة.
في تلك اللحظة التي يكون فيها كل شيء على وشك الانتهاء وشيء ما في الداخل يرفض أن يكون هذا آخره.
دمجت.
بصيرة العقل الفعال مع غريزة الفهد. ليس قرارًا واعيًا محسوبًا. بل استجابة. كالكائن الذي يصل إلى حافة الهاوية فتستيقظ فيه غريزة لم يكن يعرف أنه يملكها.
تركت النصل يقترب.
حسبت المسافة. حسبت اللحظة.
وحين وصل… انحرفت بما يكفي. يخدش العنق لا يقطعه. ومددت يدي في نفس اللحظة وأمسكت بذراعه.
قبضتي على ذراع رجل يعتقد أنه انتصر للتو.
لم أكن أملك قوة حقيقية في تلك اللحظة. كنت أملك ثلاثة أشياء: كل ما تبقى من إرادة، كل ما تبقى من قدرة، وحظًا ضئيلًا أرجو ألا ينفد.
وانقض الفهد.
من خلفه.
بتلك السرعة التي كانت تجعل عيني تعيد التحقق من ما رأته. مخالبه شقت الظهر بعمق حقيقي. القائد صرخ صرخة لم تكن من الألم وحده. كانت من المفاجأة.
وفي الفتحة التي صنعتها تلك الصرخة، تلك اللحظة التي تفتر فيها الإرادة للحظة واحدة لا أكثر…
وجهت طعنتي.
بكامل كياني. بكل ما بقي في ذلك الجسد المتكسر. بكل إرادة لم تمت بعد رغم كل شيء.
اخترق قلبه.
وسقطنا معًا.
هو جثة هامدة قبل أن يصل إلى الأرض.
وأنا… بقايا إنسان يتنفس الموت ببطء.
في مركز القيادة، كان القتال شيئًا آخر.
ستارك وبيث يواجهان رئيس المقر.
رجل يفيض بإرادة صلبة كجدار فولاذ. ليس في الجسد وحده. في كل حركة. في كل نفس. كأن الإرادة عنده ليست أداة يستخدمها بل سمة لا تفارقه.
القتال كان بشعًا.
ستارك يزأر مع كل ضربة من سيفه العظيم، محاولًا تحطيم تلك الدفاعات التي لا تبدو قابلة للتحطيم. وبيث تتحرك كشبح في الدخان، نصلها الخفيف يترك جروحًا سطحية دقيقة في المواضع التي يصلها قبل أن تختفي.
الرئيس يحسب كل هذا.
ضربة واحدة منه حطمت درع كتف ستارك. سمعت الصوت من مسافة. صوت الفولاذ ينكسر لا ينحني. وكسرٌ في الضلوع يجعل كل نفس بعدها أكثر تعقيدًا.
وبحركة أخرى كاد يقطع قدم بيث.
وصلا إلى تلك الحافة. الحافة التي بعدها يكون الانهيار لا المعركة.
وصلا لنقطة اليأس المنتج.
تلك اللحظة التي تكون فيها الأرقام ضدك ولا يتبقى إلا أن تصنع شيئًا لم تصنعه من قبل.
“الآن يا جين!”
زأرها ستارك.
ركضت بيث. لم تركض نحو الرئيس. ركضت نحو نصل سيف ستارك المرفوع. وطأت عليه بقدمها في اللحظة التي رفعها فيها ستارك بكامل قوته وإرادته.
طارت بيث.
نحو الأعلى. نحو الرئيس الذي رفع نظره يتابع.
وفي تلك اللحظة، من الأسفل، اندفع ستارك بكل ثقله الباقي.
كماشة.
من الأعلى ومن الأسفل في نفس الثانية.
واخترق نصل جين رقبة الرئيس من الزاوية التي لم يكن يحميها أحد، بينما حطم سيف ستارك صدره من الأمام.
سقط الرئيس.
كجبل ينهار لا كإنسان يسقط.
واهتزت أرض المقر تحته.
شتّت صوت سقوطه انتباه القادة الثلاثة المتبقين.
لثانية واحدة. لكنها كانت اللحظة التي كان كارل ورين وكيرا وإيمي ونور وجين ينتظرونها.
الفرصة المثالية.
حركات محسوبة. دقيقة. موجهة.
وانتهت المعارك الثلاث بالطريقة التي تنتهي بها الأشياء حين تأتي الفرصة الصحيحة في الوقت الصحيح.
بموت القادة الستة ورئيسهم، تحولت الستمئة نفس إلى ما لا يصح تسميته جيشًا.
حين رأوا جثة رئيسهم تسقط، كسر شيء ما فيهم. ليس الخوف من الموت فقط. بل الخيط الذي كان يربطهم بفكرة أنهم يقفون خلف شيء يستحق الوقوف خلفه.
انكسر ذلك الخيط.
وانكسر معه كل شيء.
اندفعوا نحو البوابة الثالثة التي تركناها مفتوحة. لم ينظروا خلفهم. دهسوا بعضهم في الهروب. تخلوا عن غنائمهم وسلاحهم وكل شيء. ستمئة مقاتل يهربون من خمسين، لأن الخمسين كانوا شيئًا لم يحسبوه في أي حساب.
ثم ساد الصمت.
ذلك النوع من الصمت الذي يكون بعد الصخب الأشد. صمت تسمع فيه أنفاسك ونبضك وكل شيء صغير لم تكن تسمعه من قبل.
ستارك وبيث يستندان إلى بعضهما. أجسادهما ترتجفان لا من الخوف بل من فرط الإجهاد وتراكم الجروح. الدماء على وجه ستارك تخط طرقًا حمراء نحو ذقنه. وجرح بيث في الفخذ لا يزال ينزف.
أما أنا…
كنت مستلقيًا في الطين.
أنظر إلى السماء.
السماء كانت تحمل الدخان الأسود الصاعد من حرائق المعسكر. وخلفه، في مكان ما، كان هناك ضوء نهار عادي يكمل يومه دون أن يعلم.
وعيي كان ممزقًا. ليس الممزق الكامل. بل الممزق الذي يعرف أنه لا يزال هنا لكنه يعرف أيضًا أنه عاد من مكان قريب جدًا.
استعدنا المؤن.
قلبنا الطاولة.
انتصرنا.
لكنني لم أشعر بالنصر.
شعرت بشيء آخر. بالفراغ الذي يأتي بعد الامتلاء الشديد. بالخفة الغريبة لجسد أعطى كل ما لديه ولم يُبقِ شيئًا لنفسه. بأنني عدت من الجانب الآخر للقبر محطمًا وضئيلًا ومنهكًا إلى حد النخاع.
الفهد عاد.
أحسست به يقترب ويجلس بجانبي. جلده الدافئ يلامس يدي.
ولم أتحرك.
فقط بقيت.
أتنفس.
أثبت لنفسي أنني ما زلت أتنفس.
نهبناهم كما نهبونا.
لكن الثمن… الثمن كان قطعًا من أرواحنا. من تلك الأجزاء التي لا تُرى في المرايا ولا تُحصى في الجروح. قطع صغيرة تُؤخذ في كل معركة ولا تعود كما كانت.
ولم أكن متأكدًا كم قطعة بقي لي بعد.