الفصل 50 - حرب العصابات (06)
خلف أسوار المدينة، كان العالم يبدو كأنه اتسع فجأة ليتحوّل إلى فخ كبير مُحكم الإغلاق. انطلقت المسيرة نحو الشمال في صمت يثقل الصدور، حيث يربض في الظلام ما باتت الألسن تسميه بـ”عش الدبابير” — ذلك المقر الذي احتضن مؤوننا المسلوبة كما يحتضن اللصّ ما سرقه من بيت نائم.
كان الجو خانقاً بشكل يعجز عنه الوصف، ليس بسبب حرارة الهواء الذي كان في الحقيقة فاتراً ومشبعاً برائحة التراب والأوراق المتعفنة، بل بسبب ذلك الصمت الثقيل كالحجارة الذي خيّم على خمسين رجلاً وامرأتين يسيرون نحو ما قد يكون حتفهم المحقق. صمت من يعرف ما يسير إليه ويُقرّر المضيّ رغم ذلك؛ وهذا النوع من الصمت أثقل من أي صراخ.
كانت الحقيقة المرّة تنهش في عقول الجميع كجرذ لا يتوقف: نحن نواجه عدواً يفوقنا باثني عشر ضعفاً. في أي كتاب من كتب الحسابات العسكرية، هذه ليست معركة، بل هي ما يُسميه العارفون “إعدام جماعي مُنظَّم”. كان بإمكاني رؤية ذلك في انحناءة طفيفة تسلّلت إلى أكتاف الفرسان المتدربين — أولئك الشباب الذين لم يمرّ على تخرّجهم سوى أشهر — وفي الطريقة التي يقبض بها الفرسان النخبة على أعنة خيولهم بشدة جعلت مفاصل أصابعهم تبيضّ كأنها أُزيل منها الدم. لم يكن بإمكاني لوم أحد. الموت لم يكن يهمس فحسب، بل كان يمشي بيننا خطوةً بخطوة، مرئياً لمن يعرف كيف ينظر.
كنا نعلم جميعاً أن الوصول إلى المقر يحتاج إلى نصف يوم من المسير المتواصل عبر الطرق الجانبية والممرات المخفية بعيداً عن أعين الكشافة. وكان يعني ذلك أننا يجب أن نكون “عيوناً” قبل أن نكون “سيوفاً”. لا نفع من سيوف تخبط في الظلام وتضرب الريح.
الخيار كان واضحاً وقاطعاً: بيث.
لم يكن ذلك قراراً صعباً بل كان البديهة نفسها تتكلم. فبيث لم تكن مجرد فارسة ضمن الفرقة؛ كانت ظاهرة بحد ذاتها. جسدها النحيل الرشيق المكسو بثياب الاستطلاع الرمادية الداكنة كان يتحرك بين الأشجار كأنه جزء منها. كانت تطوي المسافات بقدمين لا تكادان تمسّان الأرض بما يكفي لتتركا أثراً، وتتنقل بين الظلال كما تتنقل قطرة الزيت فوق الماء — دون احتكاك، دون صوت، دون أثر. أرسلناها أمامنا بفارق ساعتين، وواصلنا نحن المسير بإيقاع أبطأ وأكثر حذراً.
مرّت ساعتان من المسير الصامت الذي لم يكسره سوى صرير الجلود المدروعة وطنين خفيف حين تتلامس حلقات المعدن. كان ذلك الصوت الصغير المتكرر يبدو في آذاننا المشدودة كأنه عدّ تنازلي لساعة يرفض أن يُسمَّى ما يليها.
اقترب مني ستارك بخطوات هادئة وبطيئة لرجل بحجمه. كان يرتدي صدريته الفولاذية المعتادة المصقولة دون زخارف، وعلى كتفه الأيسر كدمة قديمة متبقية من الغابة تبدو على جلده الأسمر كبقعة داكنة. راح يمسح الصفوف بعينيه الصقريتين الثاقبتين بطريقة لا تفوتها تفصيلة، ثم مال نحوي حتى اقتربت شفتاه من أذني:
— “دارون.” صوته كان منخفضاً كصوت الرجل الذي يشخّص مريضاً لا يريد إزعاجه. “المعنويات ليست في الحضيض فحسب. هي تحت الحضيض. تحت التراب الذي تحت الحضيض. إذا واجهنا العدو بهذا الانكسار في أعينهم، سيسحقوننا قبل أن نسحب سيوفنا. نحتاج لدفعة.. الآن، لا بعد الآن.”
رفعتُ عيني إليه ببرود لم أتكلّفه. عقلي كان مشغولاً فعلاً بتلك الحسابات المظلمة التي لا تنتهي، بالاحتمالات التي تتشعب كجذور شجرة في الظلام:
— “أنا الشخص الخطأ لهذا الدور يا ستارك.” قلت بصراحة لا تعرف المجاملة. “كلماتي باردة كالفولاذ في ليلة شتاء. لا أجيد تزييف الأمل، ولا أملك في جعبتي جملة إيجابية واحدة تصلح للمنابر.”
حدّق فيّ ستارك بعينيه الداكنتين ثانيةً طويلة تكفي لأن يرى ما لم أقله. ثم لاحظتُ شيئاً يظهر في أعماق عينيه — وميضاً غريباً، مزيجاً محيّراً من التحدي والثقة، كأنه كان ينتظر هذه الإجابة تحديداً:
— “إذاً ابقَ أنت العقل البارد الذي يرسم الطريق.” قالها ببطء وبثبات مدروس. “وسأكون أنا النار التي يحتاجونها ليمشوا فيه.”
بعد أن قطعنا أكثر من نصف المسافة، وحين بدأت الأشجار تتراجع قليلاً لتفسح بقعة مفتوحة نسبياً بين جذوعها العملاقة، رفع ستارك يده فجأة بإشارة التوقف. توقف الجميع بلا صوت، بذلك الانضباط الذي يُبنى بالتدريب المتكرر لا بالطبيعة.
لم يكن توقفاً للاستراحة أو لاستجلاء خطر. كان شيئاً آخر. كان ستارك يُعيد ترتيب الكيان كله قبل أن يصطدم بما ينتظره.
أمر الجميع بالتشكّل في صفوف منتظمة بإيماءات يديه، وفي تلك اللحظة التي امتثل فيها الخمسون لأمر واحد صامت، تقدّم ستارك إلى جانب الطريق حيث تربّعت صخرة رمادية متوسطة الحجم، متشققة من السطح كأن الزمن أراد أن ينحت فيها شيئاً. ارتقاها بحركة واحدة ناعمة مفاجئة لرجل بوزنه.
من كان يظن أن صخرة على قارعة طريق مُهملة قد تتحول إلى منبر يُكتب في ذاكرة من وقف تحته؟
وقف ستارك في أعلاها، وحدث شيء لا يُفسَّر بسهولة. قامته الضخمة التي كانت ضخمةً أصلاً بدت وكأنها تمتدّ إلى الأعلى، كأن الصخرة أعطته شيئاً أكثر من الارتفاع الجسدي. ساد صمت مطبق من تلقاء نفسه، لم يطلبه أحد. الرياح الخفيفة التي كانت تهمهم بين الأوراق كأنها هي الأخرى قرّرت الاستماع.
كانت الكاريزما التي تنضح منه في تلك اللحظة شيئاً يصعب على اللغة احتواؤه. تساءلتُ في نفسي، وعقلي يعمل دائماً بمعزل عن مشاعر اللحظة: هل هذه موهبة قيادية فطرية، نادرة كالذهب في طين النهر؟ أم أن ثمة شيئاً أعمق يتحرك فيه، قدرة كامنة بدأت تجد طريقها إلى السطح كينبوع يكسر الصخر؟ لو كان الأمر كذلك، فنحن نقف أمام رجل سيكتب التاريخ اسمه بخطه الخاص يوماً ما.
أطلق ستارك صوته، ولم يكن صياحاً أجوف. كانت كلمات. كلمات محمولة على شيء أشبه بالإرادة الصلبة، صدمت المسامع قبل أن تدخل القلوب:
— “استقيموا! استفيقوا!”
تحرّكت الأكتاف المنحنية. رُفعت الرؤوس المطأطأة.
— “نحن لا نسير نحو قبر حفرناه لأنفسنا بجبننا! نحن نسير نحو استعادة كرامتنا التي سُرقت منا مع تلك القافلة! نسير نحو استرداد ما هو لنا بحق! الحرب أهدتنا عصابة تظن أن عددها سيحميها من غضبنا. نعم، هم يفوقوننا عدداً. ونعم، ربما يفوقوننا مكراً ودهاءً. ولكن الأرض لم تُبنَ على الأعداد وحدها. بُنيت على الإرادة. وبإرادتنا المجتمعة، المحشودة في هذه اللحظة، سنفوقهم قوةً وبأساً!”
ضرب كفّه على صدره المدرّع بحركة مفاجئة، فأصدر الفولاذ رنيناً عالياً تردّد صداه بين الجذوع كأن الغابة نفسها أجابت. ارتجّت شيء ما في الصدور.
— “قاتلوا من أجلي اليوم! قاتلوا من أجل أنفسكم! ومن أجل مدينة تئن جوعاً خلف أسوارها وتنتظر ما ستعيدونه إليها! لن نعود إلا بنصر يطرب مسامع من تركناهم هناك، وبغنائم تشبع بطون أطفالهم الذين لا يعرفون من أين ستأتي وجبتهم القادمة! أسمعوني صوتكم! أروني أنكم هنا! أروني إرادتكم!”
في تلك اللحظة بالذات، شعرتُ بشيء يسري في عمودي الفقري لم أُرحّب به ولم أستدعه. شيء أشبه بالقشعريرة، لكنه لم يكن خوفاً. الوجوه التي كانت شاحبة كالجدران الحجرية منذ دقائق، تدفّق فيها شيء دافئ فجأة. العيون المنكسرة اشتعلت ببريق آخر، بريق مخيف لا يُشبه الأمل البسيط، بل يُشبه أكثر شيئاً تحرّر من قفصه.
كان محمد أول من رفع سيفه، وهو لا يرفع صوته عادةً لمجرد الحماس. رفعه ببطء واضح متعمد، والنصل يلمع في ضوء ما تسرّب من بين الأوراق، ثم صاح بصوت لا يصرخ بل يُقرّر:
— “النصر!”
التقطها الآخرون كأنها جمر يسقط على القشّ. الثلاثون فارساً المتدرب رفعوا أسلحتهم في موجة واحدة وغير مُنسَّقة لكنها متزامنة بشكل مذهل، والأصوات تضاعفت وتصاعدت حتى صارت تملأ ما بين الأشجار:
— “النصر! الفوز! الحرب!”
لقد فعلها ستارك. لقد دخل إلى قلوبهم من باب لا يُفتح بالأوامر، وأحرق الخوف المقيم في أركانها، واستبدله بشيء آخر أكثر خطورة وأكثر فائدة في الوقت ذاته: شهوة القتال.
وسط هذا المدّ من الحماس الذي كان لا يزال يرتجّ في الهواء، شقّت بيث طريقها عائدةً من بين الأشجار بخطوات سريعة ومنضبطة، أنفاسها متلاحقة لكن عيناها اللتان لا تكادان تكشفان عن شيء عادةً — تلمعان الآن ببشرى لا تحاول إخفاءها.
أشارت إليّ بأن أتبعها جانباً بعيداً عن أسماع المجموعة، وانسحبنا بضع خطوات بين الأشجار. مدّت يدها ورسمت بإصبعها على جذع شجرة مخطط موضعياً خشناً:
— “المقر هنا.” نقرت بإصبعها. “وإنهم في حالة تشتّت تام لا يُتخيَّل. الغنائم التي سلبوها كانت لعنتهم قبل أن تكون نعمتهم؛ إنهم يحتفلون، ثملون، غارقون في نشوة النصر الزائف كمن ينام على براميل البارود بعد أن أضاء فتيلها. لا يتوقعون هجوماً. لو أن وحشاً برياً باغتهم الليلة لفاجأهم، فكيف بقوة من المدينة؟” أخذت نفساً قصيراً. “المقر يبعد ساعة من هنا. وله ثلاثة أبواب رئيسية، وأسوار خشبية سميكة لكنها ليست حجرية.”
جمعنا القادة في دائرة ضيقة. أخذتُ عصا من الأرض ورسمتُ مخططاً تقريبياً في التراب الناعم:
— “نتقسم إلى قسمين متساويين. عشرون مقاتلاً وخمسة رماة مع كل قسم. يدخل القسمان من بوابتين مختلفتين في توقيت واحد. البوابة الثالثة تُترك مفتوحة.”
رفعت بيث رأسها من التراب وفي عينيها استغراب حقيقي:
— “لماذا بوابتين فقط؟ ألا نريد سدّ كل المنافذ؟ تركها مفتوحة يعني السماح لهم بالهرب ولإعادة تنظيم أنفسهم لاحقاً.”
نظرتُ إليها بهدوء الرجل الذي حسب هذا الاعتراض قبل أن يُقال:
— “لأننا إذا حاصرنا ستمئة رجل من كل الجهات دون منفذ، سنسلبهم آخر شيء يملكه المقاتل المحاصر: الأمل في الهرب. وحين يفقد المقاتل الأمل ولا يجد منفذاً لروحه، يتحول إلى شيء أسوأ بكثير من الجندي الشجاع — يتحول إلى وحش انتحاري لا يُحسب حسابه، يقاتل حتى آخر رمق ليأخذ معه إلى القبر أكبر عدد ممكن.”
أكملتُ وأنا أُضيف خطاً ثالثاً إلى المخطط الترابي:
— “نحن خمسون. لا نتحمّل معركة استنزاف. أما بتركنا للبوابة الثالثة مفتوحة، فنحن لا نُظهر ضعفاً بل نصنع خياراً. حين تبدأ الفوضى، حين يسقط قادتهم في الدقائق الأولى، حين تشتعل النيران في مؤخرة تفكيرهم — أول ما سيبحث عنه الجبان والثمل والخائف هو الباب الذي يوصله إلى الخارج. سيتدفقون من تلك البوابة كالماء يجد ثقباً في الوعاء. وكلما هرب واحد، أربكَ عشرةً بجانبه.”
توقفتُ وكسرتُ العصا بيدي: “هدفنا كسر روحهم ونهب المؤن. وليس ملء الغابة بستمائة جثة ستُعطّل انسحابنا وتستدعي كل من هو على بُعد فرسخين.”
نظر إليّ ستارك ومحمد نظرة واحدة متشابهة، فيها تقدير لا يُقال بالكلمات. الخطة كانت مزيجاً من نار ستارك التي أشعلت القلوب، وجليد دارون الذي رسم طريق تلك النار دون أن يُطفئها.
رفعتُ رأسي ونظرتُ في وجوه الخمسين تباعاً:
— “تذكروا جميعاً.” صوتي كان هادئاً ومقطوعاً كسكين. “نحن هنا من أجل الغنائم والمؤن. القتال وسيلة لا غاية. النهب هو الغاية. لن يُضيّع أحد دقيقة واحدة في معركة جانبية مع عدو تجاوزناه ولم يلحق بنا بعد. أعينكم على المخازن. أقدامكم نحو المخازن. وحين تملؤون أيديكم، انسحبوا. لا بطولات فردية. لا مجد شخصي. الأطفال الجياع خلف الأسوار هم بطولتكم الوحيدة الليلة.”
انطلقنا.
لكن هذه المرة، كانت الخطوات مختلفة. لم تكن ثقيلة بالخوف الذي كاد يُقعدنا في بداية الطريق. كانت خفيفة ومتعمدة وهادئة كخطوات الفهود حين تقترب من فريسة غافلة لا تعرف بعد أن النهاية بدأت.
الساعة القادمة ستكتب أحد شيئين فقط؛ إما تحريرنا من الجوع الذي يُحاصر المدينة من الداخل كما يُحاصرها العدو من الخارج، وإما كتابة نهايتنا جميعاً في غابة لن تُبكي أحداً.
لكن القدم تقدّمت رغم ذلك. والخمسون ساروا.