نظرة سريعة في تحرير الادب الصغير
نظرة سريعة
في تحرير الادب الصغير
من تصفح هذا الكتاب — ولو بأدنى امعان — يرى ثلاثة أمور تكاد تكون من البديهيات:
١- ان اسلوبه مستمد من الروح الفياضة السارية في كتاب «كليلة ودمنة»؛
٢- انه يمتاز بزيادة المتانة في التركيب والبراعة في التعبير. لان ابن المقفع كان هنا مؤلفاً وناقلا، وأما في كتاب الفيلسوف الهندي فكان
مترجماً ومفسراً؛
٣- ان ابن المقفع نقل هنا عن نفسه من كتاب «كليلة
ودمنة» حروفاً من الحكم والامثال، فجاء ذلك مصداقاً لقوله في فاتحة «الادب الصغير: وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفا فيها عون على عمارة القلوب وصقالها وتجلية أبصارها واقامة
للتدبير ودليل على محامد الامور ومكارم الاخلاق» (ص ١١).
هذا فضلا عن نقله عن مصنفات أخرى. ولكنه عند اقتباسه
كلامه عن كتابه الذي سارت به الركبان، وبقي الى الآن أجمل مثال للبلاغة والفصاحة، قد اختصر أو أطال أو غير بعض الاوضاع، كما هو شأن الجهابذة من أرباب الاقلام.
واعلم أن اختلاف العبارات الواحدة في «كليلة ودمنة» وفي «الأدب الصغير» يدلنا ايضاً على صدق ما قاله المحققون وما نشهده باعيننا من تخالف النسخ الباقية من «كليلة ودمنة»، لكثرة تداول الناس لها واعتمال الايدي فيها. والذي ظهر لنا ان النسخة التي عني بطبعها الاب الفاضل لويس شيخو اليسوعي هى (مع ما فيها ايضاً) أقرب النسخ المعروفة الآن الى الاصل الاول. ومصداق ذلك انها مطابقة كثيراً للعبارات التي نقلها ابن المقفع نفسه في «الادب الصغير».
ولعدم الاطالة أكتفي بإيراد شواهد ثلاثة:
الشاهد الاول - العبارة الواردة في «الأدب الصغير» (ص ٦٩ س ١ - ٩)
يقابلها في «كليلة ودمنة» في طبعة الاب شيخو سنة ١٩٠٥ م ما نصه:
«فان العقلاء والكرام يبتغون الى كل معروف وصلة وسبيلا. والمودة بين الصالحين سريع اتصالها بطيء انقطاعها ومثل ذلك مثل الكوز الذهب الذي هو بطي الانكسار هين الاعادة والاصلاح ان
اصابه كسر. والمودة بين الاشرار سريع انقطاعها بطيء اتصالها كالكوز
من الفخار يكسره ادنى عيب ثم لا وصل له ابداً. والكريم يود الكريم
على لقاء واحد أو معرفة يوم واللئيم لا يصل احداً الا عن رهبة أو رغبة.» (صفحة ١٢٩)
ويقابلها في الطبعة الاولى ببولاق سنة ١٢٨٥ هـ المنقولة ببعض زيادات ونقص عن أول طبعة ظهرت في العالم بعناية العلامة البارون سلڤستر دوساسي الفرنسي في سنة ١٨١٦م ما نصه
«فان العقلاء الكرام لا يبتغون على معروف جزاء والمودة بين
الصالحين سريع اتصالها بطيء انقطاعها ومثل ذلك مثل الكوز الذهب
بطيء الانكسار سريع الاعادة هين الاصلاح ان اصابه ثلم او كسر والمودة
بين الاشرار سريع انقطاعها بطيء اتصالها ومثل ذلك مثل الكوز
الفخار سريع الانكسار ينكسر من ادنى عيب ولا وصل له ابداً والكريم
يود الكريم واللئيم لا يود أحداً الا عن رغبة أو رهبة». (صفحة ١١٠)
الشاهد الثاني - العبارة الواردة في «الادب الصغير» (ص ٧٣ س ١٠ وص ٧٤ س ١) يقابلها في طبعة الاب شيخو ما نصه:
«ان العلم لا يتم الا بالعمل وانما صاحب العلم يقوم بالعمل لينتفع به وان لم يستعمل ما يعلم فليس يسمى عالماً ولو ان رجلا كان عالما بطريق مخوف ثم سلكه على علم به سمي جاهلا ولعله أن يكون قد حاسب نفسه وجدها قد ركبت أهواء هجمت بها فيما هو أعرف بضررها فيه وأداها من ذلك السالك في الطريق المخوف الذي قد عرفه ومن ركب هواه ورفض ما ينبغي ان يعمل بما جربه هو أو أعلمه به غيره كان كالمريض العالم برديء الطعام والشراب وجيده وخفيفه وثقيله ثم يحمله الشره على اكل رديئه وترك ما هو أقرب الى النجاة والتخلص من علته. (ص ٧٣)
ويقابلها في طبعة بولاق المذكورة ما نصه:
ان العلم لا يتم الا بالعمل وانما صاحب العلم يقوم بالعمل لينتفع وان لم يستعمل ما يعلم فلا يسمى عالماً. ولو ان رجلا....الخ.»
الشاهد الثالث - العبارة الواردة في «الادب الصغير» (ص ٧٧ س ٧ - ٨ وص و٧٨ س ١) يقابلها في طبعة الاب شيخو ما نصه:
ما يزال الرجل مستمراً ما لم يعثر فاذا عثر مرة في أرض خبار لجّ به العثر وان مشى في جدد» (ص ١٤١)
ويقابلها في طبعة بولاق ما نصه:
«لا يزال الانسان مستمراً في اقباله ما لم يعثر فاذا عثر لج به العثار وان مشى في جدد الارض.» (ص ١١٨)
هذا. ويظهر ان ابن المقفع قد نقل في بعض المواضع عن حكيم او كتاب ولم يشر اليه مراعاة للاسلوب الذي اعتمده من الأول للآخر، ثم عاد فنقل عنه مستعملا لفظة: «وقال» كانه سبق له ذكره. ترى ذلك في صفحات ٤٥ و٤٧ و٤٩ و٥١ و٥٢. وقد يستعمل هاتين العبارتين: «كان يقال» (ص٣٢ و٦٥ و٧٢) و«وسمعت العلماء قالوا» (ص ٧٣).
وفوق ذلك فهناك نُقولٌ أخرى يتيسر الاهتداء اليها لكل من يتعاطى صناعة الادب او يعالج كتب العرب
اما مقدمة «الأدب الصغير» من صفحة ٥ الى صفحة ١٢ فهي
من بدائع ابن المقفع: أملاها عقله الفياض على قلمه السيال فجاءت كالماء الزلال بل كالسحر الحلال؝
أحمد زكي