تصدير
تصدير
لِلأدَب الصَّغِير
ارسل اللّٰه مُحَمَّدا بالحكمة وفصل الخطاب، وبَعَثَهُ لِيُتمِّم مكارم الأخلاق.
فكان مُحَمَّدٌ مُحَمَّدًا في قوله وفعله، ومثالًا حيّا للكمالات بين قومه. وهكذا تولّى تربيتهم وتاديبهم بنفسه، حتى أصبحوا وهم هُداة الأنام، وقادة الأيّام.
إِقترانُ القول بالعمل، وتَحَدِّي مكارم الأخلاق في السرّ والعَلَن، وتَوَخِّي الكمال في حالتَيْ الوَحدة والاجتماع: تلك هي الأركان الثلاثة التي قامت عليها دولة الإسلام.
لذلك كان حقًا لها أنْ تصل في أقلّ من الثمانين، إِلى ما لم يبلغه غيرها في الغابرين ولا في الحاضرين. فَأَيْنَ منها صاحب التاج والإِيوان، أو اسكندر اليونان، أو قيصر الرومان? وهيهات أنْ يُدانيها ما نشهَدُه الان في غرب أَوْرُبَّة أو في شرقها المترامي الأطراف!
نعم لَمْ تَكُ إِلا عَشِيّةٌ أو ضُحاها، حتى دانت الدنيا من أدناها إلى أقصاها، وفي أجمل شَطْرَيْها وأفضل شِقيْها، الى تلك الدولة الفتيّة البدوية التي كانت دعائمها، حيثما حلّت رجالاتها: حريّة وإخاء ومساواة.
أكان للناس عجبا أن أمة — تعتمد على هذه الدعائم وترتكز علَى تلك الأركان — تنشر لغة جديدة، وديانة حديثة، وحضارة بديعة? مُثلثٌ في التوحيد قد ٱجتمعت على كلمته شعوب متباينة من سدّ الصين في أقصى الشرق إِلى سِيف اقيانُس في نهاية أندلس. وذلك كله في مدة قد لا تكفي لمرور الجيوش وعبور الاساطيل.
فما هو السرّ في هذه الاعجوبة المدهشة التي لا نرى لها نظيرًا في التاريخ على الإطلاق?
لعمري إِنه ينحصر في كلمة واحدة، هي: مكارم الأخلاق.
لبثت الحال على هذا المنوال تسعة قرون بالتمام: تتخللها أَزْمَة يتبعها فَرَج، ويَعتَوِرُها عُسرٌ يتلوه يُسر. إِلى أن ٱضطرب دولاب تلك الحركة العمرانية الهائلة، وتضاءَل تيار الأخلاق الفاضلة. فكان ما كان، مما اسمّيه طوْر الكمون والافول، ولا أقول دَوْر التلاشي والزوال. وكل كَمين قَمينٌ بالظهور، وكل افول فإِلى طلوع ثم إِلى إِشراق!
تقلَّص ظل هذا الملك الوسيع، وتناقصت أطراف ذلك الرواق الممدود، فتراجع الشرق إِلى مهاده جاثمًا واجمًا، وحافظ على بيضته مدافعًا ومهاجمًا. وصبر أهلوه على خطوب الزمان صبر الكرام، وتربّصوا حتى تتصرّم أعاصير السياسة بسلام. والدنيا دول، «وتلك الأيّام نُداولها بين الناس» على أن تلك الأخلاق العالية ما زالت جراثيمها كامنة في النفوس، راسخة في السجايا. وما هي إِلا هِزَّة من الٱنتعاش فتخرجها من زوايا الانكماش، وتجلوها في مظاهر الحياة الصحيحة وميدان العمل الخصيب؛ وما هي إِلا هَبَّة من أولياءِ الأمور وأهل الرأي وقادة الأفكار، ليتنبَّهَ الشرقيون من هذا الرقود الطويل، فيشهَدَ العالَمُ من فعال الأحفاد ما بهر الأبصار في أيام الأجداد، وأعني بذلك:
تطلُّب المعالي والسير إلى الأمام…على الدوام.
⁂
والحمد للّٰه! فقد بدَتْ تباشير البعث والنشور، وكلها مؤذنة:
حَيَّ على خير العمل! حَيَّ على الفلاح!
⁂
فهل أتاك حديث مولانا العبّاس
لقد جدَّد وضع الأساس، لخير أمة أخرجت للناس. إِذ نشر رايات العلم على ربوع مصر، وأعزّ دولة الأدب في هذا العصر، وقديمًا صرف همته لتوفير مصادر الثروة الطبيعية التي هي قِوام الرقيّ الصحيح. ثم بذل عنايته لإِحياء الآداب العربية، فاستحق شكر الناطقين بالضاد وبغير الضاد، وخلّد الكرام الكاتبون ذلك الفضل في صحيفة حسناته.
وها هو ذا قد وجّه اليوم عزيمته لإعادة الأخلاق إلى نصابها القديم وصراطها المستقيم، لعلمه أن الأمم بالاخلاق.
ولقد وفقه اللّٰه في مسعاه.
فكان له من رجالاته، خير معوان على تنفيذ مقاصده وتحقيق رغباته. وأخصهم وزيره الاكبر صاحب العطوفة محمد سعيد باشا، وعضده الايمن في عمله الميمون ذو السعادة أحمد حشمت باشا ناظر المعارف العمومية.
أَحسَّ هذا الوزير العصاميّ العباسيّ بحاجة النشء ورجال
الغد إلى كتاب يجمع بين دفَّتيه تهذيب الطباع ومَلَكة الفصاحة في آن واحد. فلم ير أَفضل لبلوغ هذه الغاية المزدوجة من كتابَيْ «الأدب الصغير» و«الأدب الكبير» لعبد اللّٰه ٱبن المُقَفّع، أمير البلغاء بلا نكير، وسيد الحكماءِ ولا جدال. فقرّر تدريسه في المدارس المصرية ليشبَّ النشءُ على الحكمة والأدب وتنطبعَ نفوسهم الرطبة على مكارم الأخلاق منذ نعومة الأظفار. هذا إِلى ٱعتياد التراكيب الفخْمة والأساليب الجزْلة، مع جمال التقسيم في عرض الأفكار وصياغتها في قالَب الإِبداع.
⁂
والآن أتقدّم بين يدَيْ أهل الأدب بهذا الكنز الكبير،
کتاب «الأدب الصغير»، بعد أن صرفتُ نهاية الجهد في حسن تقسيمه، والتدقيق في تحقيق كلماته وتفسير غوامضه وضبط حروفه بالشكل الكامل: معتمدًا على علمي القليل وٱطلاعي اليسير مع مراجعة الامّهات والمظانّ في كل حرف من حروفه، بغاية ما وسعته الطاقة ووصل إِليه الإِمكان. ولا يعرِف الشوق إلا من يكُابده
ولستُ أغمط أحدًا فضله. فان البحاثة الشيخ طاهرًا الجزائري هو أول من وفقه اللّٰه للعثور على نسخة سقيمة من هذا الكتاب بمدينة بعلبكّ، فنسخها كما هي، وعلى عَجَل كما يقول، ثم استعان بالنقادة محمد افندي كردعلي الدمشقي فنشرها في مجلته العربية الطائرة الصيت، أيام كان يصدر «المُقْتَبَس» بمدينة القاهرة. فجاءَت وفيها شيءٌ كثير من أوجه النقص لعدم وجود نسخة ثانية للتصحيح، ولعدم تيسر الوقت الكافي للعناية بها كما هي أهله.
ولقد ٱستخدمتُها ورجعت إليها في بعض الكلمات. فلصاحبيها فضل السبق ولهما نصيبٌ من الشكر.
واللّٰه المسؤُول أن يوفقنا وإياهما وسائر أهل الأدب، للتعاون على إحياءِ مآثر العرب.
أحمد زكي