284
أدار بانغ سوول رأسه بعد أن ظل يحدق عبر النافذة لبرهة، ليقع بصره على إي هيون المستغرق في نوم هادئ.
وبينما كان يطيل النظر إلى ذلك الوجه الذي تنبعث منه أنفاس منتظمة، رفع بانغ سوول يده دون وعي ولمس قفاه؛ المكان ذاته الذي لمسه إي هيون بيده الباردة سابقًا
في الحقيقة، كان بانغ سوول قد تفاجأ كثيراً في تلك اللحظة؛ لأن ذلك التصرف المباغت بوضع يدٍ مبردة بالتقنيات الروحية تطابق تمامًا مع الدعابات والمزاح الذي كان يفعلها هيون كل صيف.
وعلى الرغم من أنه جفل بشكل مفرط في تلك اللحظة، إلا أنه ولحسن الحظ بدا أن إي هيون قد افترض أنه تفاجأ ج من الملمس البارد فحسب.
ولأنه ظهر بمظهر الجافّ وغير المبالي في المرة السابقة عندما أطلق إي هيون لقب أخي الأكبر على دانغ تاي يول، فقد بذل بانغ سوول قصارى جهده هذه المرة ليتظاهر بالبرود وكأن الأمر لا يعنيه.
غير أنه لم يستطع منع نفسه من التفكير في هيون كلما رآى إلى إي هيون نائمًا على هذا النحو.
تُرى أين هو الآن وماذا يفعل؟
وإن كان قد تلبس جسد أحدهم، فهل يتناول وجباته بانتظام؟
أم أنه يتخبط ويهيم في مكان ما لا يستطيع العودة منه بمفرده؟ بينما ينتظر أن آتي وأبحث عنه……
"……."
في تلك اللحظة، صدرت حركة مفاجئة من ناحية السرير؛ فقد فتح إي هيون عينيه بالرغم من أن الوقت لا يزال في ثلث الليل الأخير وقبل بزوغ الفجر.
مسح بانغ سوول ملامحه الكئيبة التي كانت تعلو وجهه قبل قليل
"كان بإمكانك النوم لفترة أطول، أاستيقظت بالفعل؟"
"…… هل بقيت جالسًا هناك طوال الليل؟"
"كلا، لقد استيقظت للتو بعد أن نلت قسطًا من النوم أيضًا."
صمت إي هيون لبرهة عند سماع تلك الكلمات، ثم فتح فمه يتحدث ببطء
"لدي شيء أريد إخبارَك به."
"فجأة فور استيقاظك من النوم؟ أي موضوع هذا؟"
تردد إي هيون وعلت وجهه ملامح الحرج والإرتباك قبل أن يضيف
"…… موضوع قد يجعلك تغضب على الأغلب."
"…… لا أعلم ما الذي تحاول قوله بالضبط ولكن."
نهض بانغ سوول من عند النافذة وجلس على الكرسي، ثم نقر على الطاولة بخفة وكأنه يدعوه للجلوس أمامه
"قل ما لديك أولاً."
جلس إي هيون في المقابل، وبعد أن تمهل لبرهة، فتح فمه بحذر
"مم، في الحقيقة…… كان هناك شخص آخر يتشارك مع جسد دانغ سا هيون بجانبي."
خيم السكون والجمود بينهما لبرهة.
"…… ماذا؟"
وما إن بدأت ملامح الذهول والارتباك على وجه بانغ سوول تتشوه وتحتد، حتى سارع إي هيون في إكمال حديثه.
"مم، أتعلم، في ذلك اليوم الذي تلبستُ فيه هذا الجسد أول مرة، عندما فقدتُ وعيي بعد تناول عُشبة الشبث الأسود—."
بدأ إي هيون يشرح لـبانغ سوول التفاصيل خطوة بخطوة وبوضوح تام لسهولة الفهم؛ بدايةً من تعرضه لمحاولة الاغتيال وفقدانه للوعي ثم لقائه بكيان يُدعى مانغ ريانغ في عالم غريب، وصولاً إلى أنه تمكن من البقاء على قيد الحياة في تشون را بفضله.
وحتى ظهور نافذة الحالة فجأة التي تطالبه باقتحام وتطهير خزانة الأحقاب الأبدية في العالم الذي اختفى منه مانغ ريانغ.
لقد كشف له كل شيء قدر استطاعته وفي حدود الممكن؛ لأنه ما دامت لديه الرغبة في إفشاء الحقيقة، فلم يكن يود أن يُخفي الأمور بأسلوب مهزوز فيتسبب في سوء فهم لا داعي له.
بالطبع، كانت هناك بعض الحقائق التي لم يسعه أن ينطق بها.
على سبيل المثال: حقيقة أنه كان يكتب رواية بطلها بانغ سوول نفسه في عالم آخر فهذا المفهوم تحديداً لم يستوعب إي هيون كيفية شرحه وتوضيحه على الإطلاق.
وفضلاً عن ذلك، لم تكن لديه أي رغبة في أن يقول له أمراً من قبيل
"أنت مجرد شخصية في روايتي"
.
فأصلاً، كيف يُعقل أنه هو من أنشأ هذا العالم من الأساس؟
أن يُخلق كوكب ذو حضارة كاملة لمجرد كتابة رواية لهو أمر لا يعقله عقل فهو ليس كائنًا إلهيًا بحال من الأحوال.
أما إن كان الأمر مجرد إلقاء نظرة خاطفة على مجريات عالم موجود بالفعل، فهذا أمر آخر ربما يُتقبل.
ورغم ذلك، يظل المبدأ والآلية التي جعلت أمراً كهذا ممكنًا مجهولين بالنسبة له.
وإلى جانب ذلك، لم يخبره بعد بحقيقة حصوله على ذكريات دانغ سا هيون داخل خزانة الأحقاب الأبدية
ولأنه لا يزال يجهل سبب وجود ذكريات دانغ سا هيون في ذلك المكان، فقد رأى أن ذكر ذلك سيزيد من ارتباك وتشتت بانغ سوول المربك أصلاً.
وكان من الأفضل مشاركة هذه المعلومات بعد أن يستكشف إي هيون بنفسه المزيد ويصبح الأمر أكثر يقينًا
على أي حال، وبغض النظر عن تلك الحقائق القليلة التي كان يصعب الإفصاح عنها في الوقت الحالي، فقد كشف لـبانغ سوول عن غالبية أسراره تقريبًا
وبالفعل، بدأ على وجه بانغ سوول ملامح الحيرة والارتباك الشديدين حول كيفية استيعاب وفهم هذه الأحاديث.
وبعد أن استغرق في التفكير لبرهة، أطلق بانغ سوول زفيراً طويلاً، ثم أومأ برأسه
"أنا أصدقك."
رغم أن الحديث كان يبدو بلا رأس ولا ذيل ومبتور الأسباب تمامًا إلا أن رد فعله جاء صريحًا ومباشراً بشكل أثلج الصدر.
تظاهر إي هيون بمسح دموعه
"آه، كم أنا متأثر حقًا! لو أنني أخبرتك بهذا في بداية مطافنا، لكنت ربطتني وطالبتني بنبرة مهددة:
إن كان ذلك المدعو مانغ ريانغ موجوداً حقاً فأخرجه أمامي الآن!
……"
"يا هذا……"
"كحم، أوه لا، اعذرني لقد اندهشتُ فقط لأنك صدقتني بهذه السهولة رغم أنني أخبرتك بأني لا أستطيع إحضار مانغ ريانغ لتلتقي به."
رمقه بانغ سوول بنظرة عتاب وانزعاج، ثم ردّ عليه بنبرة جادة
"هذا لأنني شككتُ في الأمر عدة مرات من قبل على أي حال؛ سواء في قرية غوبيوك أو قبل انهيار السورا ففي الأحوال العادية، لم أكن أفهم كيف لشخص هزيل ومترهل مثلك أن ينقذني! لكن إن كان ما قلته للتو صحيحًا فهذا يجعل الأمور منطقية ومفهومه."
"حسنًا، هذا صحيح…… ولكن، ماذا ستفعل الآن على أي حال؟"
"تقصد تلك المهمة او أيا كان اسمها ؟ سنذهب بالطبع، فما الخيار الآخر؟ ما دمت تقول إنك ستنتهي ميتًا إن لم تفعل."
كان رداً صريحًا ومباشراً يُشبه بانغ سوول تمامًا غير أن ملامح وجهه لم تكن مريحة على الإطلاق.
فأغلب الظن أن مجرد ذكر نافذة الحالة لعقوبة الفشل وموت جسد دانغ سا هيون قد أثار حنقه وعدم رضاه.
"أقلتَ إنه يتوجب تناول الاكسير الابيض للذهاب إلى هناك؟ وما العمل بعد تناولها؟ هل نصل إلى الوجهة بمجرد أن نفتح أعيننا؟"
[ حبه الصعود الى السماء هي نفسها الاكسير الابيض بس اسم الاكسير الابيض المتداول عند تشونغ يو ]
"ليس الأمر كذلك تمامًا لكن لا داعي للقلق؛ فأنا سأذهب معك."
"ألم تكن قادراً على دخول ذلك العالم حتى دون الحاجة للدواء؟"
"هذا صحيح، لكنني أريد التأكد بنفسي ولو لمرة واحدة من طريقة الوصول إلى عالم مانغ ريانغ عبر حبوب الصعود الى السماء "
"…… هذا منطقي."
عند تناول الاكسير الابيض، يصل المرء أولاً إلى المكان الذي أطلق عليه رواد تشونغ يو وون اسم النعيم ، وهناك يتوجب عليهم العثور على الممر المؤدي إلى عالم مانغ ريانغ
[ الي ما يتذكر تشونغ يو ، هو المقر الي كان يخطفون فيه الاشخاص ويخلونهم عبيد والي كان موجود فيه جيغال روك ]
وبما أن الطائفة الاركان الثمانية هي من تصنع حبوب الصعود الى السماء، فمن الطبيعي ألا يكون ذلك النعيم مكانًا سالمًا أو طبيعيًا بأي حال فكيف يُعقل أن يُرسل بانغ سوول بمفرده إلى مكان مشبوه كهذا؟
وبما أن الشمس كانت قد بدأت تشرق بالفعل عبر النافذة، فقد اتفق إي هيون وبانغ سوول على تناول الاكسير الابيض مع حلول الليل القادم؛ ذلك لأن الوقت يمضي في العالم الواقعي بالتوازي وبنفس المعدل أثناء الإقامة في عالم مانغ ريانغ.
وما إن أشرقت الشمس تمامًا ، حتى أتى أحد أعضاء تحالف الموريم إلى النزل الذي تقيم فيه مجموعة إي هيون.
وكانت زيارته لنقل خبر تحديد موعد اللقاء الرسمي مع نائب قائد التحالف، وتوجيه الدعوة لهم للحضور إلى مقر تحالف الموريم في الوقت المحدد.
وبما أنه كان يملك بعض الوقت حتى ذلك الموعد، فقد خطط إي هيون للذهاب إلى مكان آخر خلال الفترة الصباحية.
وهكذا، كان أمر استعارة العربة من بانغ سوول فكرة جيدة، ولكن……
"……."
"……."
"…… المكان ضيق."
"أليس ضيقًا لأنك أنت من يجلس داخل العربة؟"
"هذا مثير للذهول حقًا! أليست هذه عربة عائلة بانغ في المقام الأول؟!"
"تِش تمنّ عليّ لمجرد أنك أعرتنا العربة لبرهة……"
"ومَن المنّان هنا بالضبط؟!"
عندما رأى دانغ دانغ تاي يول إي هيون يهمّ بالخروج برفقة بانغ سوول، وسألهما عن وجهتهما فأخبره بها، أصرّ أخوان من عائلة دانغ على مرافقتهما.
ونتيجة لذلك، تحوّل داخل العربة إلى مزيجٍ متناوب بين صمتٍ جحيمي ومشاداتٍ كلامية لا تنتهي.
رمق دانغ تاي يول إي هيون بنظرة انزعاج
"لو كانت لديك وجهة تقصدها، لكان يجدر بك إخبارنا نحن."
"آهاها……"
"لو أنك تتصرف كأخٍ كبير بحق طوال الوقت، لكان السيد الشاب الثالث قد استشارك أولاً."
"……."
وحين بدأ الاثنان يتبادلان النظرات الحادة، أدار إي هيون عينيه بعيداً وحدّق عبر النافذة.
'إن تدخلتُ في هذا الصراع بلا داعٍ، فلن أحصد سوى الأذى……'
فضل إي هيون الاقتداء بـ دانغ هوي والتركيز على تدريب تنظيم التنفس والتشي وسط هذه الأجواء الصاخبة.
وبعد السير لفترة، توقفت العربة أمام مبنى مكوّن من أربعة طوابق، تميز بمهابته وفخامته الاستثنائية وسط المباني الاصطفافية في المنطقة المزدهرة بمدينة موهان
تشون هيانغ رو
منذ لحظة الوصول عند المدخل، كانت خطوات الزوار المرتدين لأفخر الثياب تتوالى دون انقطاع، بينما كانت أنغام الآلات الموسيقية تتسلل عذبةً من خلل الباب المفتوح.
وعند الدخول، ظهر مسرح واسع أُقيم في منتصف الطابق الأول.
كان الترتيب يتيح للرواد الاستمتاع ببرامج العروض أثناء تناول الشراب أو الشاي والوجبات، وكلما صعد المرء إلى الطوابق العليا، كانت المقاعد تغدو أكثر كلفة وفخامة.
عادةً ما تُقام على مسارح المتاجر الكبيرة مثل هذه عروض متنوعة؛ كالرقص، والعزف الموسيقي، ورقصة السيف، والألعاب البهلوانية، غير أن الشخص الصاعد على المسرح الآن كان يبدو راويًا للقصص
كان الراوي يلقي على مسامع الجمهور روايات لكُتّاب مثل بيهواغيك، أو ينسج الإشاعات الشائعة في الأرجاء بأسلوب مشوق ليقصها عليهم.
وحين أوشك على بدء السرد، فتح الرجل مروحته اليدوية بضربة حادة، ثم رفع صوته
"القصة التي سأقصها عليكم اليوم— هي عن عائلة كبيرة ونافذة في أراضي سيتشوان البعيدة رجل قاسي القلب كالأفعى السامة، قتل أباه وأخاه ليجلس على عرش قيادة العشيرة! وحكاية زوجته الصدمة التي زُفّت إليه وهي تحمل في أحشائها طفلاً من رجل آخر! حكاية أسرار غارقة في الدماء والأهواء والخيانة! يسعدني أن أرويها لكم جميعًا الآن."
"هوه، هذا يبدو مشوقًا للغاية!"
"آه، أعتقد أنني أعرف أي عائلة يقصد بهذه القصة ألم ينتهِ المطاف بتلك الزوجة بالفرار وتخليها عن الطفل؟ حتى إنه قيل إن الطفل هُجر لأنه لم يُعرف من يكون والده الحقيقي!"
"ماذا؟ كيف تفشي الأحداث هكذا مسبقًا؟ لقد أفسدتَ المتعة!"
"أيها الراوي، ابدأ القصة بسرعة!"
تجهمت ملامح دانغ هوي ودانغ تاي يول
فرغم أن الراوي لم يذكر اسم عائلة بعينها، إلا أن القصة كانت تتحدث بوضوح وجلاء عن دانغ تشون هاك وجيغال دان.
"أولئك الأوغاد……"
وما إن انبعثت نية القتل من دانغ تاي يول وخطا خطوة إلى الأمام، حتى مدّ إي هيون يده واستوقفه
"أخي الأكبر."
"لماذا تمنعني؟!"
"إحداث جلبة هنا لن يفيد بشيء سوى تقديم طُعمٍ طازج لهؤلاء الحاضرين الأجدر بنا أن نتحدث إلى مالك تشون هيانغ رو"
"…… كلام أخيك الثالث صحيح لنذهب."
"……تبًا."
وما إن أظهروا الشارة الحمراء للنادل، حتى سارع بإرشاد الأشخاص الأربعة إلى مقاعد فاخرة في الطابق الرابع.
"يرجى الانتظار هنا لبرهة."
انحنى النادل وانسحب، فجلس دانغ تاي يول على الكرسي
"إذن، عما جئت تسأل عنه في هذا المكان اليوم بالضبط؟"
ابتسم إي هيون خفيةً
"عن الشخص الذي يمكنه شفاء مرض السيد الشاب مو يونغ ."