224
في صباح اليوم التالي.
اجتمع نوابغ الجيل الجديد في قاعة الطعام، واتجهت أنظارهم جميعاً نحو عنق إي هيون وكأنهم على موعد مسبق.
كان الفضول يكاد يقتلهم لمعرفة كيف انتهى به الأمر بتلك العلامات المروعة على عنقه، لكن لم يجرؤ احد على السؤال علانية.
"السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ.. كيف انتهى الأمر بتلك العلامة على عنقك؟"
ولكن، لا بد أن يوجد في كل جماعة شخص يفتقر للحذق والنباهة؛ وهكذا، طرح السيد الشاب غوم السؤال بوجه جامد لا مبالٍ.
وسط تلك النظرات الفضولية التي انصبت عليه من كل جانب، اكتفى إي هيون بابتسامة هادئة.
"لقد حدثت بعض الأمور."
"آه، هكذا إذن............"
تلاشت كلمات السيد الشاب غوم أمام ذلك الرد الذي وضع حداً قاطعاً ولبقاً للحوار.
لم يبذل إي هيون أي جهدٍ لإخفاء تلك الآثار؛ إذ رأى أن لفّ وشاحٍ حول عنقه في قيظ الصيف لتغطية الكدمات أمرٌ لا يُطاق، فضلاً عن أنه لم يجد سبباً يدعوه لتبرير الأمر أو تقديم تفسيراتٍ مطولة للبقية.
"بمناسبة الحديث، لماذا لم ينم السيد الشاب مو يونغ والسيد الشاب الأكبر لعائلة دانغ في قاعة هوا يون بالأمس؟"
أجاب إي هيون على سؤال السيد الشاب غوم
"بما أن حالة السيد الشاب مو يونغ كانت سيئة للغاية، فقد طلبت من الأخ هوي أن يراقبه ولأنه كان معزولاً عن البقية، آثرتُ أن يكون بجانبه شخص قادر على التصرف فوراً في حال وقوع أي طارئ."
"آه، فهمت الآن."
لم تكن كذبة، لكنه لم يذكر التفاصيل كاملة فحسب؛ فقد كان دانغ هوي هناك لمراقبة مو يونغ غون ومنعه من إيذاء الآخرين............
ولهذا السبب، جاء دانغ هوي قبل قليل وأخذ وجبتي فطورهما بشكل منفصل.
وبعد أن أنهى إي هيون طعامه، قام بتوضيب الأطباق بعناية في صندوق طعام خشبي؛ فمنذ الأمس، لا يزال جيغال روك حبيساً داخل قاعة تشن تشو
عندها، نطق السيد الشاب ذو شامة العين بنبرة فاترة ولا مبالية:
"السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ.. هل تعتزم أخذ هذا الطعام لـجيغال روك؟"
"بلى، هذا ما أنوي فعله."
"يبدو أن السيد الشاب جيغال لا يكتفي بالتهرب من نوبات الحراسة، بل ينتظر من الآخرين أن يقدموا له الطعام بأنفسهم يا له من مترفٍ مسترخٍ رغم كل ما نمر به!"
التفت إي هيون نحوه بهدوء
"السيد الشاب الأكبر لعائلة جيغال منشغل بفحص أجهزة الغيمون فهو الوحيد بيننا الذي يملك الخبرة الكافية في علم التشكيلات، وقد قضى ليلته الماضية بأكملها داخل قاعة تشن تشو."
"أليس هذا مجرد عذر؟ ربما هو فقط لا يرغب في القيام بنوبات الحراسة، أو يجد مواجهتنا أمراً محرجاً وثقيلاً عليه."
"............ لا ريب أن عائلة جيغال تتحمل مسؤولية هذه الفوضى، ومع ذلك لا يبدو عليه أدنى شعور بالذنب صراحةً، يزعجني رؤية السيد الشاب الثالث لـدانغ وهو يعتني به ويحمل له طعامه أعني.. هل كُسرت ساقاه ليعجز عن المجيء بنفسه؟"
وبينما أبدى بقية الأسياد موافقتهم على كلام ذي الشامة وشرعوا في صبّ جام غضبهم، تنهد إي هيون تنهيدة خفيفة.
"من الطبيعي جداً أن تشعروا بهذا الاستياء في الواقع، أنا أيضاً أشاطركم الرأي، فمنظره لا يروق لي بتاتاً."
"....؟"
خيم الصمت على الأسياد للحظة أمام هذا الرد غير المتوقع؛ فقد ظنوا أنه سيقوم بالدفاع عن جيغال روك كالعادة بمجرد أن يبدؤوا بالتذمر منه.
طاخ.
أغلق إي هيون غطاء صندوق الطعام الخشبي ثم تابع حديثه
"ولكن، لماذا تظنون أنني أتكبد عناء إحضار الطعام لذلك الشخص الذي لا أطيق رؤيته بنفسي؟ رغم علمي يقيناً أنه يبادلني ذات الشعور بالكره."
'هذا هو السؤال الذي أردنا طرحه عليك بالضبط..'
عندما وجد الأسياد أنفسهم في موقف المسؤول بعد أن كانوا هم السائلين، بدت على وجوههم ملامح الارتباك.
"و.. ولماذا؟"
"لأن لـجيغال روك فائدةً معينة في الوقت الراهن."
كانت نبرة إي هيون فاترة إلى أقصى حد، ولم يكن في صوته أو تعبيرات وجهه أي أثر لمحاولة الدفاع عن جيغال روك أو التستر عليه.
شرع إي هيون يدلك قفاه بتعب
"في مثل هذه الظروف العصيبة، من يملك الرفاهية ليدلل رجلاً حاد الطباع مثله؟ لو كان بلا فائدة، لتركته يواجه مصيره يهلك جوعًا لكن لسوء الحظ، لا يوجد بيننا الآن من يفقه في مصفوفات الغيمون غيره لذا، فكرت في أمر ما............"
صمت إي هيون لبرهة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة غامضة
"قررتُ أن أدفعه إلى أقصى حدوده لأستغل مهاراته أكمل استغلال لقد حبسته في قاعة تشن تشو وأنا الآن أجبره على مراقبة أجهزة الغيمون ليل نهار كمن يجلده بالسياط حتى إنني استعنت ببعض أساليب عائلة دانغ السرية التي... اممم، تمنع المرء من النوم وتجبر ذهنه على البقاء يقظاً قسراً هههه."
"......"
تمنعه من النوم وتجبر ذهنه على البقاء يقظاً قسراً؟
هل يقصد أساليب التعذيب؟!
"ليس لديه الآن لا الوقت ولا الطاقة للمجيء إلى هنا وتناول الطعام بترف، لذا لم يكن أمامي خيار سوى أن أحمل له طعامه بنفسي فكما تعلمون، حتى العامل الذي تستأجره، عليك أن تملأ معدته أولاً قبل أن تنهكه في العمل."
"............ أتقصد أنه ليس قابعاً هناك للتكاسل والتهرب؟"
"أليس هذا بديهياً؟ الأمر يتعلق بحياتي أنا أيضاً، تماماً كما يتعلق بحياتكم! آه، لدي اقتراح ما رأيكم في مرافقتي الآن إلى قاعة تشن تشو؟ إذا وجدتم السيد الشاب جيغال يتسكع هناك، فيمكنكم حينها جره من تلاليبه أو إجباره على الوقوف في نوبات الحراسة مثلنا تماماً."
"......"
بمجرد أن مهّد إي هيون الطريق لهم هكذا، لم يتطوع أيٌ من النوابغ لمرافقته والتحقق من الأمر بأنفسهم.
هزَّ إي هيون كتفيه بخفة، ثم حمل صندوق الطعام
"على أية حال، يجب أن تكونوا مستعدين لأي طارئ قد يقع في أي لحظة، لذا فإن ذهابنا جميعاً دفعة واحدة سيكون هدرًا للقوى العاملة............ سأذهب أنا لأعتصره مجدداً وأعود."
"............ حسناً، نـ.. نحن نعتمد عليك."
"اتركوا الأمر لي."
بمجرد خروج إي هيون من قاعة الطعام حاملاً الصندوق، أطلق دانغ تاي يول ضحكة ساخرة قصيرة.
فلو اكتفى المرء بالاستماع إلى سلاسة لسانه وبراعته في الحديث، لظن أنه أمام أعتى أرباب العمل المستبدين في العالم.
ورغم أن عائلة دانغ تمتلك بالفعل أساليب وحشية كفيلة باستنزاف روح المرء وتجفيف دمه، إلا أنه كان من المستحيل أن يستخدم هذا الفتى مثل تلك التقنيات.
كان من الواضح أن كل ما قاله قبل قليل لم يكن سوى حيلة ذكية لتهدئة الأوضاع، وامتصاص نقمة الآخرين تجاه جيغال روك قبل أن تنفجر؛ فبما أن مهاراته في التشكيلات ضرورة لا غنى عنها في الوقت الراهن، فقد قام إي هيون بقطع الطريق على أي احتكاك غير ضروري مسبقاً.
لقد كانت بلا شك حنكة ذكية في التعامل مع الموقف، ولكن............
'يا له من شخص لـيّـن.'
لو كان تاي يول مكانه، لقام بوخز جيغال روك بالإبر السامة لإجباره على العمل، أما هذا الفتى، فقصارى ما سيفعله هو الوقوف بجانبه وإلقاء المحاضرات المزعجة التي لا تنتهي.
أطلق دانغ تاي يول تنهيدة استخفاف داخلية، ثم رفع فنجان الشاي إلى شفتيه.
****
ما إن خطت قدما إي هيون قاعة تشن تشو، حتى وقع بصره على جيغال روك وهو يحدق في أجهزة الغيمون بوجهٍ شاحب يعلوه إرهاقٌ شديد.
في الحقيقة، لم يكن إي هيون بحاجةٍ إلى حثّه أو الضغط عليه؛ فقد كان جيغال روك يرهق نفسه طواعيةً، وهو أمرٌ بديهي؛ فخوفه على حياته لم يكن يقل عن خوف الآخرين على حياتهم.
وضع إي هيون صندوق الطعام على طاولةٍ قريبة، ثم اقترب من جيغال روك وسأله
"هل تمضي الأمور كما طلبتُ منك؟"
قبل أن تتبدل معالم المكان وتتحول إلى طريق الأرواح الجائعة كان إي هيون قد طلب من جيغال روك طلباً معيناً ورغم أنه شكك حينها في جدوى الأمر، إلا أنه انتهى به المطاف وهو ينفذ تعليمات إي هيون بحذافيرها، كغريقٍ يائسٍ يتشبث بآخر قشة نجاة.
أجاب جيغال روك وهو يرمش بعينيه الغائرتين من قلة النوم
"أنا أفعل ذلك.. أنا أفعل، لكنني لا أدري إن كان لهذا أي جدوى الإشارات المنبعثة من المان سانغ هائلة وفوضوية للغاية في وسط هذا المعمعة التي تتداخل فيها عشرات الآلاف من الإشارات، لا يمكنني أن أجزم بقدرتي على التقاط ذلك التردد الضئيل الذي تحدثتَ عنه."
"على أية حال، لا نملك الكثير من الأوراق الرابحة الآن وبصراحة، فإن ترك الخاطف لنا نستخدم قاعة تشن تشو بحرية هو خير دليل على ذلك؛ ألا يعني هذا أنه واثقٌ تماماً من أن محاولاتنا اليائسة في المنطقة المحدودة التي سمح لنا بالولوج إليها، لن تغير من مجريات اللعبة شيئاً؟"
"............ صحيح وإلا.."
ازداد وجه جيغال روك قتامة وهو يكمل
"فربما هو من يستدرجني للولوج إلى النواة بنفسه."
كان هذا الاحتمال وارداً جداً؛ ربما ليراقب كيفية عمل النواة—وهي تقنية سرية لعائلة جيغال—أو ليحاول سرقة أسرارها عبر جيغال روك.
فبما أن فرصة القيام بعملية كهذه لن تتكرر، فلا بد أنه يحاول استنزاف كل الفوائد الممكنة.
"لن يفوت الأوان إذا فكرت في هذا الأمر بعد خروجنا من هنا."
"......"
عضّ جيغال روك على شفتيه وعاد يعبث بأجهزة الغيمون صامتاً وبينما كان إي هيون يراقب وجهه الغارق في الإرهاق، نطق فجأة
"لا أرغب في سماع أعذارك، وكلامك لن يمحو خطأك مهما قلت.. ولكن، لماذا ذهبت إلى مكان مثل تشنغ يو وون ؟"
رفع جيغال روك رأسه بملامح حادة إثر هذا السؤال المباغت
"ما دام سماع الأعذار يزعجك، فلمَ تنبش في الأمر إذن؟"
'لأنك في الرواية التي كتبتها، لم تذهب إلى مكان كهذا قط.'
بالطبع، لم يكن سؤال إي هيون نابعاً من ثقته في أخلاق جيغال روك أو نبل شخصيته.
"الأمر غريب فحسب، خاصة بالنظر إلى شخصيتك التي تقترب من الهوس بالنظافة أنت تمقت القذارة، ومع ذلك ذهبت خصيصاً لمشاهدة عرض تتناثر فيه الدماء والأحشاء، رغم أن معدتك لا تتحمل مثل هذه المشاهد."
"...... ذاك."
عضّ جيغال روك على شفته وتردد، وعندما همّ بفتح فمه ليتكلم..
كو-غو-غو-غو-غو-غونغ!
اندلع اهتزاز هائل ومألوف، زاحفاً من أعماق الأرض بقوة مرعبة.
'هل بدأت المرحلة التالية بالفعل؟!'
في اللحظة التي حبس فيها إي هيون أنفاسه لا إرادياً..
بدأت الشقوق تظهر في كل المناظر المحيطة به، تماماً كما حدث حين ظهر طريق الأرواح الجائعة
تلاشت قطع العالم المتصدع واختلطت في رؤيته بشكل مشوش، كأن لوحة مرسومة بدقة بدأت تتهشم وتتناثر شظاياها.
وبعد برهة وجيزة..
كو-غو-غو-غو!
انبثقت من الأرض جذوع أشجار ضخمة، شقت التربة بعنف وتسابقت في الارتفاع نحو السماء كأنها أعمدة عملاقة.
ومع امتداد تلك الجذوع الغليظة التي شقت عنان السماء، نمت الأغصان وتفجرت من أطرافها أوراق شجر كثيفة وبدلاً من سقف القاعة، ألقى الغطاء النباتي المتشابك بظلاله من الأعالي.
وبينما كانت خيوط الضوء تتسلل على استحياء من بين أوراق الشجر، بدأت الشجيرات والطحالب تكتسح ما تحت الأقدام، واندفعت فجأة رائحة التربة المبتلة وعصارة الأشجار الكثيفة لتزكم الأنوف.
وعندما استعادوا صوابهم، وجدوا أن المشهد من حولهم قد تحول تماماً إلى قلب غابة عميقة وشاسعة وهناك، اجتمع نوابغ الجيل الجديد الذين كانوا مشتتين في أماكن متفرقة، ليجدوا أنفسهم جميعاً في بقعة واحدة.
"...... ما هذا المكان مجدداً؟"
في اللحظة التي أطلق فيها دانغ تاي يول تنهيدة حادة وهو يتفحص محيطه بنظرات ثاقبة، تعالت أصوات زمجرة منخفضة ومرعبة لحيوانات مجهولة من وراء الشجيرات الكثيفة المحيطة بهم من كل جانب
كررررررررر-
"على عكس طريق الأرواح الجائعة لا يبدو أننا في منتجع مونغ رين على الإطلاق."
"أين نحن بحق—."
"أوه، انظروا هناك! انظروا إلى ذلك الشيء!"
وعلى إثر صرخة أحدهم المذعورة، استدارت أنظار الجميع دفعة واحدة نحو اتجاه واحد.
في قلب الغابة المظلمة، كانت هناك كرة مضيئة تتلألأ بنورٍ غامض، تطفو في الهواء وكأنها تستعرض وجودها.
"أليس هذا............ هو النواة الحقيقي ؟!"
"هل يعقل أنه مكشوف لنا هكذا منذ البداية؟!"
كان يتراءى لهم وكأن ذلك الجوهر يستفزهم قائلاً أمسكوا بي إن استطعتم