البداية التي لا تُذكر
الفصل الأول: رماد الطريق القديم
كان الهواء ثقيلاً ورطبًا بشكل غير طبيعي، كأنه محبوس داخل مكان لم يُفتح منذ زمن طويل. ضغطه كان على الصدر وكأن كل نفس يحتاج جهدًا إضافيًا.
فتح عينيه.
لم يجد وضوحًا في البداية، فقط سقف خشبي قريب جدًا منه، متشقق من الأطراف، تتساقط منه ذرات غبار خفيفة كأنها رماد قديم يهوي ببطء فوق وجهه.
بدأت رؤيته تتضح تدريجيًا.
رأى جسده.
شاب في بداية العشرينات تقريبًا، بطول متوسط إلى طويل قليلًا. جسده نحيف لكنه ليس ضعيفًا تمامًا، كأنه عاش إرهاقًا طويلًا أو فقدانًا للقوة. عظامه بارزة تحت جلد شاحب باهت، كأن الشمس لم تلمسه منذ زمن.
شعره أسود داكن مبعثر، وبعض الخصلات ملتصقة بسبب الرطوبة. أما عينيه فكانتا رماديتين باهتتين، تحملان فراغًا غريبًا، كأنهما لا تنظران للعالم بل تحاولان فهم سبب وجوده أصلًا.
لم يتحرك في البداية.
كأن الوعي استيقظ قبل الجسد بلحظات.
بدأت عيناه تتحركان ببطء في المكان. جدران طينية متشققة، زوايا مظلمة، ورطوبة تغطي كل شيء، كأن الزمن توقف هنا منذ زمن بعيد.
حاول أن ينهض.
لكن رأسه دار بعنف.
رفع يده إلى جبينه ثم توقف فجأة.
نظر إلى أصابعه، كانت نحيفة بشكل غير طبيعي والجلد شاحب، كأنها ليست يده.
ثم فقد توازنه وسقط.
ضغط التراب تحت كفه أعاده لواقع مؤلم.
ومع ذلك ظهرت داخل رأسه صور متكسرة: صوت حديد، خطوات سريعة، ضوء يهتز، ضحكة قريبة جدًا، ثم طعنة باردة قطعت كل شيء.
ارتجفت أصابعه وهو يضغط على صدره، يحاول كبح شيء داخلي غير مرئي.
نهض بصعوبة.
نظر حوله.
غرفة صغيرة، جدران طينية متآكلة، سقف منخفض، باب خشبي مائل، وفراش قديم مهترئ.
كأن أحدًا عاش هنا أو انتهى هنا بصمت.
ظهرت كلمة في ذهنه: "قرية".
خرج.
اصطدم بضوء النهار الباهت.
أمامه قرية صغيرة: بيوت طينية متلاصقة، أزقة ضيقة، وغبار يغطي الأرض.
لا أطفال، لا ضحك، لا حركة واضحة. فقط وجوه قليلة تختفي بسرعة.
تحرك بين الأزقة.
ببطء، لكن بثبات غريب.
عيناه تمسحان المكان تلقائيًا: المخارج، الزوايا، الأسطح، أماكن الاختباء، كأن جسده يعرف قبل عقله.
ثم توقف.
نبضة خفيفة في صدره، ليست ألمًا بل نداء.
رفع يده.
ثم التفت نحو الغابة.
كانت كثيفة، مظلمة، كأنها جدار حي.
الأشجار متقاربة وأغصانها ملتوية كأصابع ميتة.
ومع ذلك بدأ يمشي نحوها.
كأن قدميه تعرفان الطريق.
اختفى صوت القرية.
الهواء أصبح أبرد، الأرض أكثر رطوبة، الأشجار أقرب وكأنها تضيق عليه.
لكن الإحساس داخله كان يقول إنه يعود لشيء يعرفه.
وصل إلى صخرة كبيرة مغطاة بالطحالب، نصفها مدفون ونصفها مليء بخدوش عميقة.
توقف.
ثم ضغط على نقطة معينة.
اهتزت الصخرة وانزاحت لتكشف مدخلًا مظلمًا يبتلع الضوء.
ورأى ظلًا في الداخل... نسخة منه مغطاة بالدم.
اختفى المشهد فورًا.
دخل.
طرق الجدار: ثلاث مرات، ثم مرتين، ثم مرة.
انفتح.
صندوق قديم.
في داخله حجر أسود ينبض كقلب حي.
لمسه.
انكمش جسده لكن قبضته شدّت عليه.
صوت عميق اخترق رأسه.
ثبت مكانه.
وعيناه تغيرتا.
ثم بدأ الحجر يستيقظ.