الفصل 196 - الاستعداد
استيقظ إيفان في صباح اليوم التالي بذهن أكثر وضوحًا مما كان عليه منذ أيام، وكأن قراره الليلة الماضية على تلك النافذة المطلة على المدينة قد رسم له خطًا واضحًا يستطيع أن يسير عليه دون أن يغرق في دوامات الشك التي أثقلته مؤخرًا جلس عند طاولته الصغيرة في غرفته، وعلى قطعة من الجلد المدبوغ الرخيص الذي يستخدمه أحيانًا بدل الورق الغالي، بدأ يكتب بخط عريض غير أنيق أسماء كل من يعرفهم ممن يحملون سيفًا في أوسترين.
لم يكن إيفان رجل أحلام كبيرة مجردة؛ كان رجلاً عمليًا حتى في أكثر لحظاته عاطفية، الصفة التي جعلته يعيش هذا الطويل في مهنة تقتل أصحاب الأحلام السريعي التأثر بسهولة. فبدل أن يكتفي بالتفكير في “فريق قوي”، بدأ يرسم بدقة ما يحتاجه فعليًا: كم عدد المقاتلين، من أي مستوى، وبأي تخصص، لتغطية الطرق الثلاثة الرئيسية المؤدية إلى أوسترين، بدءًا بغابة الظل الرمادي التي أثبتت خطورتها الفعلية.
“نحتاج على الأقل خمسة عشر مقاتلاً من المستوى الثاني،” قال لبوريس وهما يجلسان في زاوية حانة الذئب الأعرج صباحًا، حيث كانت الحانة شبه فارغة في هذه الساعة المبكرة. “ليس مستوى ثالثًا كاملاً لكل واحد منهم، هذا غير واقعي ولا حتى ضروري. المستوى الثاني كافٍ إن نظّمنا الفرق بشكل صحيح، مع وجود قائد بمستوى أعلى يقود كل مجموعة.”
“خمسة عشر رجلاً من المستوى الثاني في مدينة بحجم أوسترين؟” رفع بوريس حاجبيه بشك. “أنت تعرف أن أغلب من يحمل هذا المستوى هنا إما غادر المدينة بحثًا عن فرص أفضل في كارنوث أو غيرها، أو تحول لعمل آخر لا علاقة له بالقتال.”
“أعرف. لهذا سيستغرق الأمر أيامًا، ربما أسبوعًا كاملاً من الزيارات والإقناع. لكنني أفضّل خمسة عشر مقاتلاً أثق بهم، حتى لو استغرق جمعهم وقتًا، على ثلاثين غريبًا لا أعرف عنهم شيئًا.”
قضى إيفان الأيام التالية في جولة منهجية عبر أحياء أوسترين، يحمل قائمته البسيطة ويشطب أو يضيف أسماء بحسب ما يجده. زار حانة “المرساة الصدئة” قرب الميناء النهري، حيث وجد أخوين توأمين يُدعيان “فيكتور” و”فيليكس”، مقاتلان بالسيف والترس من المستوى الثاني، عملا سابقًا كحرّاس لقوافل صغيرة قبل أن يجفّ العمل، ووافقا فورًا حين عرض عليهما إيفان الفكرة، بحماس رجلين مَلّا من قضاء أيامهما في حراسة مستودعات فارغة.
في السوق القديم، وجد امرأة تُدعى “أوليفيا”، متخصصة بالرماح، عملت يومًا كجندية في حامية المدينة قبل أن يُسرّح جزء كبير من الحامية لعدم القدرة على دفع الرواتب. كانت متحفظة في البداية، تسأل أسئلة دقيقة عن التمويل وشروط العمل، لكنها انضمت بعد أن شرح لها إيفان الترتيب الذي يعمل عليه فولك.
استمر إيفان على هذا المنوال، يومًا بعد يوم، يجمع مقاتلاً هنا وآخر هناك: حداد سابق تحول لمرتزق بعد إغلاق ورشته يحمل مطرقة حرب ثقيلة، صياد غابات يجيد التخفي والتتبع أكثر من القتال المباشر لكن مهارته لا تُقدَّر بثمن لحملة كهذه، وأخوان آخران متخصصان في القتال الجماعي المنسق. بحلول نهاية الأسبوع، كان قد جمع اثني عشر مقاتلاً من المستوى الثاني، بالإضافة إلى بوريس وغريغور، وكاسيا التي أرسلت أخيرًا رسالة موافقة قصيرة عبر أحد الفلاحين المسافرين.
لكن اثني عشر مقاتلاً، مهما بلغت مهارتهم الفردية، لم يكونا كافيين بمفردهما لتغطية ثلاثة طرق مختلفة بشكل فعّال ضد عصابات منظمة كالذئاب السود. كان إيفان يعرف ذلك جيدًا، وهو ما دفعه للتفكير بجدية أكبر في اسمين كانا يترددان في ذهنه منذ بداية الفكرة، اسمين لطالما تجنب الاقتراب منهما لأسباب مختلفة تمامًا.
كانت كارلا تدير حانة صغيرة أنيقة نسبيًا تُدعى “النجمة الحمراء”، تقع في حي أفضل قليلاً من بقية أحياء أوسترين المتهالكة، مكان يجتذب زبائن من طبقة أعلى قليلاً، تجارًا صغارًا ومسؤولين محليين يبحثون عن جو أهدأ من صخب الحانات الأخرى. لم يكن إيفان قد زار المكان كثيرًا، ليس لأنه لا يحب المكان، بل لأنه، إن أراد أن يكون صادقًا مع نفسه في لحظة نادرة، كان يتجنب كارلا نفسها أكثر مما يتجنب حانتها.
كانت كارلا امرأة في أواخر العشرينات، طويلة القامة برشاقة تجمع بين الأنوثة والقوة الواضحة في طريقة وقوفها وحركتها، شعرها الأحمر الداكن منسدل على كتفيها بتموجات طبيعية، وعيناها الخضراوان تحملان ذكاءً حادًا لا يخطئه من يتحدث معها لأكثر من دقيقتين كانت أيضًا واحدة من القلائل النادرين في أوسترين الذين بلغوا مستوى التحكم، متحكمة أولية بقدرة على التلاعب بالنار بطرق دقيقة ومؤثرة، قدرة اكتسبتها بعد سنوات من التدريب المضني في شبابها قبل أن تختار الاستقرار وإدارة حانتها بدل حياة المرتزقة المتنقلة.
دخل إيفان الحانة في المساء، والمكان يعج بزبائن أقل صخبًا من حانة الذئب الأعرج المعتادة رأته كارلا فورًا من خلف طاولتها، وابتسمت ابتسامة تبدو عفوية تمامًا، لكن من يراقب عن قرب قد يلاحظ ارتباكًا خفيفًا في حركة يديها وهي تصب كأسًا لزبون آخر، ارتباكًا لم يلحظه إيفان نفسه أبدًا، غارقًا كعادته في التفكير بمهمته أكثر من ملاحظة التفاصيل العاطفية الدقيقة من حوله.
“إيفان،” قالت وهي تقترب من طاولته بعد أن ترك زبونها، صوتها دافئ بنبرة ترحيب حقيقية. “زيارة نادرة ماذا أحضرك إلى هنا هذه المرة؟ وليس كأسًا من الجعة الرخيصة، أعرف ذلك.”
جلس إيفان أمامها وشرح فكرته بإيجاز، كما فعل مع غريغور وكاسيا من قبل، مضيفًا التفاصيل الجديدة عن العدد الذي جمعه حتى الآن والفجوة التي لا يزال يحتاج سدها.
استمعت كارلا بانتباه كامل، ذراعاها مطويتان على صدرها، وحين انتهى إيفان من الشرح، قالت بصوت هادئ لكنه حازم: “أنا معك، دون تردد.”
“حتى دون أن تفكري في الأمر؟” سأل إيفان بدهشة خفيفة، متوقعًا مقاومة أكبر أو تفاوضًا أكثر، كما فعل معظم من قابلهم.
ابتسمت كارلا ابتسامة غامضة قليلاً، ابتسامة حملت أكثر مما قالته كلماتها. “إيفان، أدير حانة في مدينة تحتضر، أرى كل يوم تجارًا يتوقفون عن العبور، وأرى إيراداتي تنخفض شهرًا بعد شهر. إن كان هناك من يحاول فعليًا إصلاح الوضع بدل الشكوى منه فقط، فأنا لن أتردد في المساعدة. بالإضافة إلى ذلك،” أضافت بنبرة أخف قليلاً، “لم أستخدم قدرتي في معركة حقيقية منذ سنوات بدأت أشعر بالصدأ.”
لم يلحظ إيفان النظرة التي أرسلتها إليه قبل أن تستدير لتخدم زبونًا آخر، نظرة حملت شيئًا أعمق من مجرد حماس لمهمة قتالية، شيئًا ظلت كارلا تخفيه بعناية منذ سنوات، منذ أن كان إيفان يزور حانتها بشكل أكثر انتظامًا قبل أن ينشغل بحياته المعتادة ويقل حضوره تدريجيًا لم تكن كارلا امرأة تعبّر عن مشاعرها بسهولة، خاصة تجاه رجل تعرف تمامًا مدى انغلاقه على نفسه، رجل بدا لها منذ سنوات وكأنه يحمل حزنًا عميقًا خلف كل تعليق ساخر وكل ابتسامة عابرة، حزنًا جعلها تشعر برغبة غريبة في حمايته هي بدورها، رغم أنه الرجل الذي يُفترض أن يكون قادرًا على حماية نفسه أكثر من أي شخص آخر في المدينة.
“شكرًا لك يا كارلا،” قال إيفان ببساطة، غافلاً تمامًا عن الطبقات الأعمق في ردها. “سأبلغك بموعد بدء الحملة بمجرد أن يكتمل التمويل.”
أومأت برأسها، وراقبته وهو يغادر الحانة، وابتسامتها تتلاشى ببطء لتحل محلها نظرة تأمل هادئة، نظرة امرأة تعرف أنها ستنتظر، كما انتظرت من قبل، دون أن تطلب شيئًا أكثر مما يُقدَّم لها.
الاسم الثاني الذي كان يشغل تفكير إيفان كان “جورج”، رجل في السبعين من عمره، أحد القلائل الآخرين في أوسترين الذين بلغوا مستوى التحكم، متحكم أولي كذلك، لكن بقدرة مختلفة تمامًا عن قدرة كارلا؛ كان جورج يمتلك القدرة على التحكم بقوة الجاذبية في نطاق محدود حوله، قدرة نادرة جعلته يُلقَّب في شبابه بـ”الجبل المتحرك” لقدرته على تثبيت نفسه في مكانه بثقل يفوق قدرة أي عدو على تحريكه، أو على العكس، تخفيف ثقله ليتحرك بخفة غير متوقعة لرجل بحجمه.
وجده إيفان في ورشة صغيرة يديرها جورج نفسه على أطراف المدينة، حيث كان يصنع أدوات معدنية بسيطة – مفصلات أبواب، مسامير، أدوات زراعية – حرفة هادئة اختارها بعد أن اعتزل حياة القتال منذ عقد كامل تقريبًا، بعد إصابة قديمة في ظهره جعلته يفضّل حياة أكثر استقرارًا.
“إيفان بن… لا أتذكر اسم عائلتك بصراحة، مرت سنوات طويلة،” قال جورج بابتسامة خفيفة وهو يمسح يديه المتسختين بالمعدن بقطعة قماش، صوته أجش لكنه حمل دفئًا حقيقيًا. “سمعت باسمك يتردد في المدينة مؤخرًا. الدرجة الثالثة، أليس كذلك؟ رجل صغير مثلك حين قابلتك آخر مرة، بالكاد كنت بنصف طولك هذا.”
“هل تقابلنا؟” سأل إيفان بدهشة، محاولاً تذكّر الرجل دون جدوى.
ضحك جورج ضحكة عميقة. “لن تتذكرني، كنت طفلاً صغيرًا حينها، جاء مع أمه إلى المدينة بحثًا عن عمل لكن هذا حديث آخر ليوم آخر ماذا أحضرك إلى ورشتي المتواضعة يا إيفان؟”
توقف إيفان للحظة عند ذكر جورج لأمه، شعور غريب يمر عبر صدره، لكنه اختار ألا يستفسر أكثر الآن، مركزًا على سبب زيارته شرح فكرته لجورج كما شرحها للآخرين، وانتظر رد الرجل المسن بصبر.
فكّر جورج طويلاً، عيناه على المطرقة الصغيرة الملقاة على طاولة عمله. “اعتزلت لسبب يا إيفان، ظهري لم يعد كما كان، والقتال المباشر يرهقني أكثر مما يرهق رجلاً في عمري يجب أن يتحمله. لكن…” توقف، وابتسم ابتسامة حزينة قليلاً. “لكنني أيضًا أرى مدينتي تموت ببطء كل يوم أفتح فيه باب ورشتي هذه، وأشعر أحيانًا بالخجل من نفسي لأنني اخترت الراحة بينما يعاني الآخرون قدرتي لا تحتاج مني أن أركض أو أن أحمل درعًا ثقيلًا طوال اليوم، أستطيع أن أثبت نفسي في مكان استراتيجي وأستخدم الجاذبية لإبطاء تحركات الأعداء أو حماية من حولي دون إجهاد جسدي كبير أعتقد أن بإمكاني المساهمة دون أن أُرهق ظهري أكثر من اللازم.”
“سيكون وجودك فارقًا حقيقيًا يا جورج،” قال إيفان بصدق “متحكم أولي إضافي، بخبرة تفوق خبرتي أنا نفسي في هذا المستوى، سيمنح الفرق ثقلاً استراتيجيًا لا يمكن تعويضه بعدد أكبر من مقاتلي المستوى الثاني.”
أومأ جورج برأسه أخيرًا. “سأنضم إليك يا إيفان. لكن اعرف أنني سأحتاج ترتيبات خاصة، لا أستطيع القتال المتواصل لساعات طويلة كما كنت أفعل في شبابي.”
“سنرتب كل شيء بما يناسب قدراتك،” أكّد إيفان.
بحلول نهاية الأسبوع الثاني من جهود التجنيد، جلس إيفان مع بوريس في نُزل الغراب الأسود، يراجعان القائمة النهائية: اثنا عشر مقاتلاً من المستوى الثاني، بوريس نفسه، غريغور، كاسيا، كارلا، وجورج سبعة عشر شخصًا في المجموع، عدد يبدو محترمًا للوهلة الأولى.
“لا يزال هذا غير كافٍ،” قال إيفان بصوت جاد، يتأمل القائمة أمامه بعينين حادتين. “غابة الظل الرمادي وحدها تحتاج على الأقل ثمانية إلى عشرة مقاتلين متمركزين بشكل دائم إن أردنا تأمينها فعليًا ضد عصابة منظمة كالذئاب السود، وهناك طريقان آخران يحتاجان تغطية مماثلة لو وزعنا هذا العدد على ثلاثة طرق، سيكون كل فريق ضعيفًا جدًا ليواجه أي عصابة منظمة بثقة.”
“ماذا تقترح إذن؟” سأل بوريس. “نبدأ بطريق واحد فقط ونوسع الحملة تدريجيًا؟”
“ربما هذا هو الحل الواقعي الوحيد في الوقت الحالي،” وافق إيفان بتردد واضح في صوته، غير راضٍ تمامًا عن الفكرة، لأنه كان يعرف أن كل يوم تأخير يعني تجارًا إضافيين يفقدون الثقة في الطريق، وربما هجومًا إضافيًا يقع على قافلة بريئة أخرى.
في تلك اللحظة، وصلت رسالة من فولك عبر أحد الصبية الذين يعملون رسلًا في حي التجار، دعوة لتناول العشاء في منزله ذلك المساء، “لمناقشة تفاصيل مهمة” كما ورد في الرسالة المختصرة.
كان منزل فولك، رغم كونه في أوسترين، أنيقًا بمعايير المدينة، بيتًا حجريًا من طابقين، أثاثه بسيط لكنه مصنوع بعناية، ولوحات قليلة على الجدران تصور مشاهد تجارية من مدن مختلفة زارها فولك خلال سنوات عمله استقبل إيفان عند الباب بابتسامة مضيف مرحبة، وقادّه إلى غرفة طعام صغيرة حيث كانت مائدة متواضعة لكن أنيقة قد أُعدّت لشخصين فقط.
“سيد إيفان، تفضل بالجلوس أعددت لنا عشاءً بسيطًا، لا شيء يضاهي ما تناولناه في كارنوث، لكنه أفضل ما تستطيع مطبخي المتواضع تقديمه.”
جلس إيفان، ولاحظ فورًا أن فولك يبدو أكثر استرخاءً من المعتاد، متحررًا من هيئته التجارية الرسمية التي يرتديها عادة أمام الناس، وكأن دعوة العشاء الخاصة هذه سمحت له بإظهار جانب أكثر شخصية.
تحدثا في البداية عن تفاصيل تقدم التمويل، حيث أخبر فولك إيفان أنه نجح في إقناع ثلاثة تجار من أوسترين وتاجر واحد من كارنوث بالمساهمة في تمويل الحملة، مقابل نسبة صغيرة من أرباح القوافل الآمنة لمدة عامين لكن بعد أن انتهيا من الطعام الرئيسي، وبينما كان فولك يصب كأسين من نبيذ متواضع، سأله إيفان سؤالاً كان يفكر فيه منذ أسابيع.
“سيد فولك، أريد أن أسألك سؤالاً مباشرًا، وأتمنى إجابة بنفس الصراحة.”
رفع فولك حاجبيه باهتمام، ووضع الزجاجة جانبًا. “بالطبع، اسأل ما تشاء.”
“لماذا تهتم فعليًا بإنقاذ أوسترين؟” سأل إيفان بنظرة ثابتة، لا اتهام فيها لكنها لا تخلو من جدية حقيقية. “أنت تاجر ذكي، رأيت بنفسي كيف تفكر، كيف تحسب كل خطوة بدقة تستطيع أن تستثمر في كارنوث، أو في أي مدينة مزدهرة أخرى، بمخاطرة أقل بكثير وأرباح مضمونة أكثر لماذا تختار أن تراهن على مدينة قد تختفي خلال سنوات قليلة، كما أخبرتني أنت نفسك؟”
صمت فولك طويلاً، عيناه على كأس النبيذ أمامه، وكأنه يزن ما إذا كان سيجيب بالإجابة التجارية المعتادة التي ربما استخدمها مع آخرين، أو بشيء أعمق أخيرًا، رفع عينيه نحو إيفان، وشيء في نظرته تغيّر، أصبح أكثر صدقًا وأقل حساباً.
“سؤال عادل، وأنت تستحق إجابة صادقة يا سيد إيفان.” بدأ فولك بصوت هادئ. “الحقيقة، إن أردت أن أكون صريحًا تمامًا، ليست إنسانية خالصة كما قد تتخيل أنا رجل طموح، طموح ربما أكبر مما يظنه معظم من يتعامل معي كتاجر قوافل صغير.”
توقف، يرتشف قليلاً من نبيذه قبل أن يتابع. “أريد أن أبني إمبراطورية تجارية خاصة بي يا إيفان ليس مجرد متجر ناجح أو قافلة أو اثنتين، بل شبكة تجارية حقيقية، تمتد عبر عدة مدن، بموارد وعقود وحلفاء يجعلونني اسمًا يُذكر في دوائر التجارة الكبرى، لا مجرد تاجر متوسط الحال يبيع التوابل والحرير.”
“وما علاقة أوسترين بذلك؟” سأل إيفان، فضوله يزداد.
ابتسم فولك ابتسامة معقدة، مزيج من الحماس والحكمة. “كل مدينة مزدهرة يا سيد إيفان، كل مدينة كبيرة كارنوث أو غيرها، لديها بالفعل تجارها الكبار، عائلاتها التجارية العريقة التي تسيطر على معظم الفرص المربحة منذ أجيال لو ذهبت إلى كارنوث اليوم وحاولت أن أبني شيئًا كبيرًا هناك، سأصطدم بجدار من المنافسة الشرسة، عائلات تملك رأس مال يفوق ما أملكه بعشرات المرات، وعلاقات مع النبلاء والحكام امتدت لعقود مهما بلغ ذكائي أو جهدي، سأبقى لاعبًا صغيرًا في ملعب كبير يملكه آخرون بالفعل.”
“لكن مدينة كأوسترين،” تابع، وعيناه تلمعان بحماس حقيقي بدأ يظهر أكثر فأكثر، “مدينة شبه ميتة، منسية من الجميع، لا أحد يتنافس عليها لأن لا أحد يرى فيها فرصة. هذا بالضبط ما يجعلها فرصتي المثالية إن نجحت في إحيائها، ولو جزئيًا، إن ساهمت في جعلها آمنة ومزدهرة مجددًا حتى بشكل متواضع، سأكون أنا الرجل الذي بدأ ذلك، الرجل الذي استثمر حين لم يجرؤ أحد آخر، والفرص التي ستنبثق من ذلك ستكون لي أولاً، قبل أن يلاحظها أي منافس كبير مدينة تُعاد ولادتها من الرماد تحتاج شبكة تجارية جديدة بالكامل، ومن الأفضل أن أكون أنا من يبنيها منذ البداية، لا أن أحاول اقتحام شبكة موجودة بالفعل في مكان آخر.”
استمع إيفان بصمت متأمل، يعيد ترتيب الصورة في ذهنه. لم يشعر بخيبة أمل من إجابة فولك، بل على العكس، شعر بشيء أقرب إلى الاحترام يتسلل إلى تقييمه للرجل الجالس أمامه
“إذن أنت لا تساعد أوسترين حبًا فيها بذاتها،” قال إيفان أخيرًا، لا سؤالاً بل تلخيصًا واضحًا. “بل لأنها الفرصة الوحيدة التي تسمح لطموحك أن يجد أرضًا خصبة ينمو فيها.”
“هذا صحيح تمامًا،” أجاب فولك دون تردد أو خجل من الاعتراف. “لكن هذا لا يعني أن مساعدتي غير حقيقية أو غير مخلصة يا سيد إيفان المصلحة الشخصية والفعل الصائب ليسا متناقضين دائمًا أنا أستفيد، نعم، لكن أوسترين تستفيد أيضًا، وأهلها يستفيدون، وأنت تستفيد طالما كانت النتيجة النهائية جيدة للجميع، لا أرى عيبًا في أن يكون لي دافع شخصي وراءها.”
فكّر إيفان في هذا الكلام طويلاً، وشعر بشيء يستقر في داخله، نوع من الثقة الجديدة تجاه هذا الرجل النحيل ذي العينين اللامعتين بالطموح كان إيفان نفسه رجلاً يفهم معنى أن يحمل المرء دافعًا شخصيًا عميقًا خلف أفعاله الظاهرة – ألم يكن هو نفسه يقاتل جزئيًا من أجل وعد قديم لصديق غاب، بقدر ما يقاتل من أجل إيلينا ومارتا وأم باروس؟ الدوافع المختلطة، اكتشف في تلك اللحظة، لم تكن بالضرورة علامة على نفاق أو خداع، بل كانت ببساطة الطريقة التي يعمل بها معظم البشر الصادقين مع أنفسهم.
“رجل بطموح كهذا، وشغف واضح بهذا القدر،” قال إيفان أخيرًا، “يستحق أن يُوقف بجانبه لا أن يُشكَّك فيه باستمرار. أثق بك يا سيد فولك، ليس لأنني أظنك قديسًا، بل لأنني أرى في عينيك نفس الإصرار الذي أحتاجه من أي حليف حقيقي.”
ابتسم فولك ابتسامة امتنان صادقة، وكأن ثقل سؤال إيفان الذي حمله طوال الأمسية قد زال أخيرًا عن كتفيه. “أقدّر ثقتك يا سيد إيفان، أكثر مما تتخيل ولأنني أثق بك بالمقابل، دعني أخبرك بشيء آخر كنت أنوي مناقشته معك الليلة على أي حال.”
جلس إيفان بانتباه أكبر، محسًا أن الحديث المهم الحقيقي لهذا العشاء على وشك أن يبدأ.
“تحدثت معي عن نقص الأعداد،” تابع فولك، “عن حاجتك لمقاتلين إضافيين بمستوى أعلى ليجعلوا حملتك فعّالة فعليًا. أعرف رجلاً قد يكون الحل الذي تبحث عنه.”
“من؟” سأل إيفان بفضول متزايد.
“اسمه أراك رجل في الثلاثينيات من عمره، متحكم متقدم، مستوى تحكم بمرحلة أعلى بكثير مما بلغته أنت أو كارلا أو جورج حتى الآن قدرته على التلاعب بالظلال، يستطيع أن يتحرك عبرها بسرعة تجعله يبدو وكأنه يختفي ويظهر في أماكن مختلفة، وأن يستخدمها كأسلحة قاطعة أو كدروع تمتص الضربات.”
توقف إيفان للحظة، يفكر في الاسم. “لم أسمع به من قبل. لماذا لم يظهر اسمه في أي من محادثاتي مع بوريس أو غيره؟”
ابتسم فولك ابتسامة معقدة، ابتسامة رجل يكشف أخيرًا ورقة كان يخفيها بعناية لفترة طويلة. “لأنني، بصراحة، كنت أستثمر فيه منذ سنوات يا سيد إيفان، دون أن أعلن ذلك على الملأ.”
رفع إيفان حاجبيه باستغراب واضح. “ماذا تقصد بـ’تستثمر فيه’؟”
“أراك كان يتيمًا، وجدته في أحد أزقة أوسترين قبل ثماني سنوات تقريبًا، فتى جائعًا يسرق الخبز من عربات التجار ليبقى حيًا لاحظت فيه شيئًا حينها، ذكاءً حادًا وإصرارًا غير عادي رغم ظروفه القاسية. دفعت له تدريبًا مع أحد المعلمين القدامى، ثم مع نقابة صغيرة متخصصة في قدرات التحكم، ثم ساعدته على الانضمام لمهام تدريجية زادت خبرته وقوته على مر السنين. لم أفعل هذا من فراغ يا إيفان، كنت أعرف، بحدسي التجاري إن صح التعبير، أن يومًا سيأتي أحتاج فيه رجلاً بقوته، بولائه، في لحظة مفصلية بالضبط كهذه.”
جلس إيفان صامتًا للحظة، يستوعب حجم الصورة التي بدأت تتكشف أمامه؛ فولك لم يكن مجرد تاجر ذكي يفكر بخطوة واحدة إلى الأمام، بل رجل يخطط لسنوات مقبلة، يستثمر في أشخاص وموارد بصبر يفوق ما تخيله إيفان في البداية.
“أنت رجل تخطط بعيد المدى يا سيد فولك،” قال إيفان أخيرًا، نبرته تحمل مزيجًا من الدهشة والإعجاب. “أكثر بكثير مما ظننت.”
ضحك فولك ضحكة خفيفة، مرتاحًا لظهور هذا الجانب من نفسه أخيرًا أمام شخص يبدو أنه يقدّره بدل أن يستغله.
“التجارة الحقيقية يا سيد إيفان ليست عن الصفقة القادمة فقط، بل عن السنوات العشر القادمة أراك جاهز الآن، بلغ مستوى يجعله أصلاً قيّمًا حقيقيًا، وأعتقد أن الوقت مناسب تمامًا لأن يبدأ في رد بعض ما استثمرته فيه، مقابل أجر عادل بالطبع، لست أستغله، بل أثق أنه سيسعد بالفرصة ليثبت نفسه في مهمة حقيقية بعد كل تلك السنوات من التدريب والانتظار.”
“متى أستطيع مقابلته؟” سأل إيفان، حماسه يتصاعد بوضوح لأول مرة منذ بداية جهود التجنيد.
“سأرسل له رسالة غدًا صباحًا، أعتقد أنه سيسعد بلقائك بعد ظهر الغد، في المكان نفسه الذي نجلس فيه الآن إن أردت.” أجاب فولك.
نهض إيفان أخيرًا من مقعده، شاعرًا بثقل الأمسية يخف تدريجيًا، ليحل محله شعور جديد بالتفاؤل الحذر، ذلك النوع من الأمل الذي يخشى المرء أن يثق به كثيرًا خوفًا من خيبة تلحقه، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع منع نفسه من الشعور به.
“شكرًا لك يا سيد فولك،” قال بصدق حقيقي هذه المرة، أعمق من مجرد المجاملة الرسمية المعتادة بينهما. “ليس فقط على أراك، بل على صراحتك الليلة. أشعر أنني أفهمك بشكل أفضل بكثير الآن، وهذا يجعلني أثق بك أكثر، لا أقل.”
عاد إيفان إلى نُزل الغراب الأسود في وقت متأخر من الليل، والقمر معلّق عاليًا فوق أسطح أوسترين المتهالكة، ضوءه الفضي يمنح المدينة، ولو للحظات قليلة، مسحة من جمال هادئ يخفي بؤسها النهاري جلس على حافة سريره قبل أن ينام، يفكر في كل ما حدث خلال هذه الأمسية الطويلة، في صراحة فولك، وفي اسم أراك الجديد الذي بدأ يشعر تجاهه بفضول حقيقي، وفي القائمة الطويلة من الأسماء التي جمعها خلال الأسبوعين الماضيين: بوريس، غريغور، كاسيا، كارلا، جورج، اثنا عشر مقاتلاً آخر، وقريبًا، ربما، أراك نفسه.
لم يكن العدد كافيًا بعد لتغطية كل الطرق المؤدية إلى المدينة بشكل مثالي، لكنه كان بداية حقيقية، أول خطوة ملموسة في طريق طويل قرر إيفان أن يسلكه مهما استغرق من وقت أو جهد. فكّر في كارلا وابتسامتها الدافئة، وفي جورج ودفء ذكرياته الغامضة عن أمه التي لم يفهم إيفان تمامًا معناها بعد، وفي فولك وطموحه الذي بدأ يبدو له الآن، بعد فهم دوافعه الحقيقية، أكثر إنسانية وأقل حسابًا باردًا مما ظنه في البداية.
أطفأ الشمعة الصغيرة على طاولته، واستلقى في الظلام، وهذه المرة، وربما للمرة الأولى منذ ليلة الحلم المضطرب بأمه، شعر بثقل أخف قليلاً يستقر على صدره وهو يغرق تدريجيًا في نوم هادئ، نوم رجل بدأ يشعر أن الطريق أمامه، مهما بدا طويلاً وشاقًا، لم يعد يسير فيه وحيدًا كما كان يظن نفسه دائمًا.