الفصل 184 - الخطيئة
هبط السيف بقوة لم يعترض طريقه شيء لحظة ثم عدة لحظات ثم ساد الصمت.
لم يكن هناك دم كثير. ولا صرخة أخيرة. ولا مقاومة. فقط ابتسامة صغيرة بقيت على وجه يوجين، ابتسامة طفل ظنّ حتى اللحظة الأخيرة أن العالم مكان جميل يستحق الثقة.
ارتخت يداه وسكن جسده وانتهى كل شيء.
أما أنا…فلم ينتهِ شيء.
بقيت واقفاً أنظر إليه. ثانية. ثانيتين. عشراً. دقيقة. لا أعلم. لم يعد الزمن يتحرك. لم تعد الأشياء تعني شيئاً. حتى بكاء سكارليت بدا وكأنه قادم من عالم آخر، من خلف جدار سميك من الزجاج.
كنت أنظر فقط إلى الجسد الصغير أمامي ثم إلى السيف في يدي ثم إليه مجدّداً.
ثم قلت بصوت لم أتعرّف عليه:
“انهض.”
لم يجب
“يوجين… انهض.”
صمت تام
“كفى مزاحاً.”
فقط صوت بكاء سكارليت
ارتجفت أصابعي حول مقبض السيف.
*”أنت قلت إنك سعيد.”*
*”أنت قلت إن حياتك كانت جميلة.”*
“إذن انهض.”
انقبض صدري أكثر
“انهـــض!”
ارتفع صوتي فجأة، شهقة انتُزعت من مكان لا أعرف أين يقع.
“انهض أيها الأحمق!”
لكن الجسد لم يتحرك. لأن الموت لا يستجيب للتوسّلات. ولا للصراخ. ولا لأي شيء يقوله من بقي وراءه.
بدأت أضحك.
ضحكة قصيرة و مكسورة ثم تحوّلت إلى أخرى ثم أخرى حتى أدركت أنني أبكي وأنا لا أزال أضحك، ولا أعرف متى اختلط الأمران وصارا شيئاً واحداً لا اسم له.
ضحك. بكاء. اختناق. كلها ذابت في بعضها.
*ضعيف.*
*أنا ضعيف.*
‘لو كنت أسرع بقليل. لو كنت أقوى بقليل. لو وصلت أبكر بدقائق قليلة لا أكثر.’
‘لكان حياً.’
دوى صوت من داخلي
“لا. أنت فعلت كل ما تستطيع.”
دوى صوت اخر
“كاذب. أنت تأخّرت.”
صوت اخر
“لم يكن الأمر بيدك.”
“بل كان.”
“أنقذت المدينة.”
“لكنّني لم أنقذه.”
“أنقذت العشرات من الناس.”
“لكنّني قتلت يوجين.”
“لقد أنهيت معاناته.”
” لا انت قتلت يوجين.”
” لقد منحته الرحمة.”
“لا بل قتلته.”
” انا أنقذته.”
“قتلته”
” أنا قتلته.”
“أنا من قام بقتله.”
” لقد قمت بقتله.”
بدأت الكلمة تتكرّر داخل رأسي كطبل لا يتوقّف. تتصادم الكلمات، تتحطّم، حتى شعرت أن جمجمتي تضيق على ما بداخلها.
—
كنت أكره نفسي لكنّ جزءاً مني كان يكره العالم أكثر.
العالم الذي أخذ كل من أحبّ. العالم الذي وضع تلك القدرة اللعينة في يديه ثم جعلها تعمل على الجميع إلا عليه. العالم الذي سمح لطفل كهذا أن يموت بابتسامة لأنه لم يتعلّم كيف يكره.
أيّ عالم يحتاج إلى تضحية طفل كي يعيش الآخرون؟
أيّ عالم قذر هذا؟
ساد الصمت لوقت طويل لا أعلم حتى كم مضى من الوقت ثم لاحظت شيئاً.
في البداية ظننته غباراً. رماداً تحمله الريح. خيوط رمادية صغيرة تتراقص في الهواء وتهبط ببطء، جميلة تقريباً، لو لم يكن ما يحمله كل خيط منها مرعباً إلى هذا الحد.
تجمّدت قدماي في الارض شعرت و كأنني اغرق في الوحل
التقط العقل الفعّال شيئاً. إرادة داخل الرماد. كميّة هائلة من الإرادة، هائلة لدرجة جعلت معدتي تنقبض وشيئاً في صدري يعلم أن ما يأتي ليس خيراً.
بدأ أوّل شخص بالسعال سعال خافت ثم الثاني ثم الثالث.
سقط رجل على ركبتيه. تبعته امرأة. ثم طفل. ثم آخر. ثم آخر. كأن المدينة كلّها قرّرت أن تموت دفعةً واحدة.
انتشرت الصرخات الهلع و الفوضى في كل مكان ركض الجميع في اتجاهات مختلفة لا يعلمون اين يذهبون.
لكنّ الرماد استمرّ بالهبوط هادئاً بطيئاً كأنه يستمتع بالوقت و كأنه يسعى لابادتهم جميع ان ببساطة يريد محوهم و نفيهم من الوجود
شعرت بشيء يقترب من اللا مكان بعدها دوى صوت خطوات ثقيل في كل مكان كان من المستحيل تحديد مكانه لقد كان شيء جعل كل غريزة في جسدي تصرخ في وقت واحد. شيء جعل الهواء نفسه يبدو أثقل، أبرد، أخطر. توقّفت الصرخات. توقّفت الأنفاس. كأن المدينة بأكملها أدركت وجوده وصمتت احتراماً لا إجلالاً، بل رعباً.
ثم انشقّ بحر الرماد معلنا خضوعه التام و كأن له إرادته الخاصة ببطء. كما ينشق البحر أمام شيء لا يُوقَف وظهر شخص يسير.
خطوة خطوتان ثلاث خطوة.
هادئاً و مسترخياً كأنه يتمشّى في حديقة لا في مدينة تحتضر أمام عينيه.
كانت ابتسامة خفيفة ترتسم على وجهه، تلك التي جعلت الدم يتجمّد في عروقي. لأنها لم تكن ابتسامة إنسان يرى الموت. بل ابتسامة إنسان يستمتع به لا بل ابتسامة شخص لا يبال بأي شيء
توقّفت قدماه أمامي على بعد عدة امتار بكامل قامته و كامل حضوره الطاغي ونظر نحوي مباشرةً تجاوز آلاف الأشخاص. تجاوز المدينة كلّها كأن أحداً غيري لا يستحق أن يقع عليه بصره.
فتح ذراعيه قليلاً كمن يستقبل صديقاً قديماً طال انتظاره وقال بصوت دافئ بشكل مرعب:
“مرحباً يا دارون.”
ارتجفت يدي حول سيفي جارح الظلال
وفي تلك اللحظة، دون دليل ودون تفسير ودون أن يخبرني أحد، عرفت.
عرفت أن هذا الشخص هو سبب كل شيء. سبب الطاعون. سبب هذه الكارثة سبب موت يوجين كنت اكثر شخص أعرفه كنت اكثر شخص يدرك أنه كان يسعى لغاية محددة و انه على الاستعداد للتضحية بكل شيء من اجله
نضرت اليه ورأيت ابتسامته تلك الابتسامة المقرفة التي تعكس كل شيء ماعدا الراحة.
في اللحظة ذاتها التي رأيت فيها وجه يوجين داخل ذاكرتي يوجين وهو يبتسم في السجن في أوّل يوم التقيا فيه يوجين وهو يحلم بمساعدة الجميع بعيون تلمع كأنها تحمل نوراً داخلياً يوجين وهو يمسح دموع أخته وهو من يحتضر يوجين وهو يشكرني.
صرخت بأقصى ما لدي “ااااااااااهههههههه…”
شيء انفجر في داخلي يس غضباً. الغضب كلمة صغيرة جداً، لا تتّسع لما حدث. ليس كرهاً. الكره أيضاً لا يكفي.
كان شيئاً أعمق. أظلم. شيء لم أعرفه من قبل ولم أكن أعلم أنه كان نائماً في مكان ما بداخلي طوال هذا الوقت.
شعور جعلني أرغب في تمزيق العالم إن كان ذلك يعني إيصال الألم إلى هذا الرجل. شعور جعل يدي ترتجف لا من الخوف بل من الرغبة الحارقة. شعور جعلني أفهم، لأوّل مرة في حياتي، كيف يُولَد الحقد ليس من فراغ بل من طفل كان يبتسم حتى اللحظة الأخيرة.
اتّسعت ابتسامة الرجل أكثر كأنه رأى ما يحدث داخلي كأنه سعيد به كأن هذا بالضبط ما جاء يبحث عنه ثم قال:
“كم اشتقت للقائك.”
في تلك اللحظة أدركت حقيقة واحدة، بسيطة وباردة كحدّ السيف الذي لا يزال في يدي:
لو خُيّرت بين إنقاذ نفسي وقتل هذا الرجل، فلن أتردّد ولو لثانية واحدة في اختيار قتله لأن يوجين مات.
وهذا الشخص…ما زال يتنفّس.