الفصل 148 - صائدوا الأرواح
انفتحت البوابة السوداء.
لم تنفتح دفعة واحدة — تشققت أولاً عند وسطها، كجرح قديم يُعاد فتحه، ثم انزلقت نصفاها للجانبين ببطء ثقيل كأن الحجر نفسه يتنفس أخيراً بعد عقود من الانتظار. ومن الفجوة اندفع هواء.
هواء مختلف.
لم يكن بارداً فحسب — كان نظيفاً بطريقة جعلت هواء الساحة الأبدية يبدو، بالمقارنة، كأنهم كانوا يتنفسون داخل قبر مغلق طوال هذا الوقت. شم بعض العبيد ذلك الهواء فتوقفوا لجزء من ثانية — لا لأنهم ترددوا، بل لأن أجسادهم لم تكن تصدق.
“تحركوا!”
صوت دارون لا يرتفع — لكنه يقطع. ينفذ إلى ما خلف الذعر ويوصل أمراً واحداً: الآن.
انطلقوا.
بعضهم يجري، بعضهم يعدو بالكاد لكنه يرفض السقوط، وطفلة صغيرة اقتادتها امرأة من يدها وعيناها مغلقتان كأنها تؤمن أن فتحهما سيُحيل كل هذا إلى وهم. خلفهم، لا شيء يهتز. لكن خلف ذلك اللاشيء —
اهتزاز. خافت. بعيد.
فالريك ما زال هناك.
ضغط ألبرت أسنانه حتى أحس بألم في فكّه وواصل التقدم. هذه المرة لن تُهدر تضحية. أقسم ذلك لنفسه بكلمات لم ينطقها — النوع الذي لا يُكسر.
جرت دقائق تحت الأرض.
الممرات الحجرية الطويلة تبدو متطابقة هنا — سقوف منخفضة، جدران رطبة، ضوء لا مصدر له يكفي فقط لرؤية من أمامك لا أكثر. التعب بدأ يُعلن عن نفسه في خطوات من لم يأكل منذ أيام، في أكتاف مرفوعة تبدأ بالانهيار، في أنفاس أثقل مما ينبغي. حتى دارون — الذي يُخفي جسده أسراره بمهارة — لاحظت سكارليت أن إيقاع خطواته تغيّر قليلاً، غير محسوس لمن لا يعرفه.
رفع ألبرت يده.
توقف الجميع كأنه قطع خيطاً واحداً يحرّكهم جميعاً.
أغمضت سكارليت عينيها.
الطنين — ذلك الحس الذي لا تستطيع تسميته بدقة لكنه لم يخطئ مرة واحدة — امتلأ بشيء قادم. ليس بالإيقاع المعتاد. بل بثقل مختلف. تقلّص وجهها ببطء.
“…ثلاثة.”
ظهروا من نهاية الممر.
لم يركضوا. لم يستعجلوا. يمشون بخطوات مدروسة كمن يعرف أن الطريدة ليس لها مكان تذهب إليه. معاطف سوداء طويلة تلمس الأرض بهمس، وتتدلى منها جماجم معدنية صغيرة تصدر في كل خطوة صوتاً رفيعاً يشبه رنين النعي. على صدر كل واحد منهم — محفوراً لا مطبوعاً — شعار العين الرمادية.
صائدو الأرواح.
تجمّد دارون تجمّد الشخص الذي لا يتجمد.
الرجل في المنتصف طويل بما يكفي ليبدو مشوهاً في الممر المنخفض، نحيل بطريقة تجعل حضوره أثقل لا أخف. شعره أبيض ومشذّب بعناية مزعجة وسط كل هذا الخراب — كمن أتى إلى موعد رسمي، لا إلى تحت الأرض. عيناه فاتحتا اللون حتى يصعب تمييز حدة النظرة فيهما، وذلك أخطر من العيون السوداء — لا تقرأ ما تشعر به.
ابتسم حين رأى دارون.
ابتسامة رجل يرى شيئاً كان متوقعاً، لا شيئاً يفاجئه.
“ها أنت أخيرًا.”
التفت يوجين بعيون أوسع مما ينبغي.
“…من هؤلاء؟”
أجاب دارون بنبرة مستوية لا ترتفع ولا تنخفض، كأنه يقرأ من صفحة كتبها بنفسه:
“الأشخاص الذين باعوني للساحة.”
ضحك القائد ضحكة خفيفة — النوع الذي لا يحمل مرحاً بل احتقاراً ملفوفاً بالأناقة.
“لا تقلها بهذه القسوة.” نظر حوله نظرة من يجري جرداً سريعاً. “يبدو أنك سببت فوضى أكبر مما توقعنا.”
شعرت سكارليت بالشيء قبل أن تفهمه — ضغط خفي في الهواء، كأن المسافة بينهم وبين هؤلاء الثلاثة تحمل شحنة مختلفة عن المسافة العادية. ليسوا مجرد حراس. ليسوا صائدين عاديين.
أقوياء. بشكل مختلف عمّن واجهوه حتى الآن.
تقدّم ألبرت نصف خطوة. قرأ ما قرأته هو الآخر — بالطريقة الباردة التي تشبه إجراء حساب لا إحساساً. القائد: متحكم متقدم. الاثنان خلفه: مستوى ثالث، أولي، لكن ليسا ضعيفين. ثلاثة ضد عشرات من المدنيين الهاربين وعدد محدود من المقاتلين المرهقين.
المعادلة واضحة ومزعجة.
قال القائد بنبرة من يُمله على أحد سكرتيريه:
“أوامرنا بسيطة.”
نظر إلى دارون مباشرة.
“إعادتك حيًا. الباقون…” توقف توقفاً قصيراً ذا معنى. “…غير مُحددين في الأوامر.”
تنهّد دارون نفساً هادئاً، كمن يؤكد توقعاً كان يأمل ألا يكون صحيحاً.
“…بالطبع.”
ثم اختفى.
لم يكن اختفاءً حقيقياً — كان سرعة تحوّل الجسم إلى خط.
الاصطدام جاء كزلزال مصغّر. قبضة دارون في مواجهة سيف القائد — معدن يلتقي بلحم مدرّب على تحمّل المعادن — وانفجرت موجة ضغط دافعت الجدارين على طرفي الممر. تشقّق الحجر عند مستوى الكتف. اهتزّ سقف المقطع بالكامل.
اتسعت عينا يوجين.
ابتسم القائد خلف سيفه — ابتسامة رجل لم يتراجع خطوة.
“هذا أفضل بكثير.”
“ألبرت!”
الصوت جاء من خضم الاشتباك. دارون يدفع القائد بكلتا يديه ويخلق مساحة ثانية واحدة.
“خذهم واخرجوا.”
تجمّد ألبرت.
“لا.”
“هذا ليس—”
انفجرت هالة القائد.
لم تكن هالة يراها العين بقدر ما يحسّها الجسد — ضغط انتشر في الهواء كتغيّر مفاجئ في الطقس داخل ممر ضيق. جعلت بعض العبيد يتراجعون خطوة لا إرادية. جعلت سكارليت تُثبّت قدميها بوعي مضاعف.
ضحك الرجل الأبيض بخفة حقيقية هذه المرة.
“أنت مشغول.”
اختفى أحد المتحكمين الأوليين.
ظهر في القلب — داخل مجموعة العبيد، لا أمامها. خنجران في يديه، يميل نحو أقرب شخص إليه.
أمسك ألبرت معصمه.
لم يتنبأ. لم يرَه يأتي. شيء ما في جسده قرر قبل أن يقرر عقله — تلك النوع من الردود الفعلية التي لا تُكتسب بالتدريب بل بسنوات تعلّم فيها الجسد أن البقاء لا ينتظر الإذن.
التقيا ببعضهما بقوة جعلت الحجر تحت أقدامهما يتشقق على طول خط واضح.
رفع الرجل حاجبه. في عينيه شيء لم يتوقعه — ليس الألم، بل الاعتراف بأن المعادلة تغيّرت.
عيون ألبرت لم تكن تحمل ما كان يحمله من قبل.
لم تكن برودة “القديس” — تلك الهدوء المحسوب الذي يحمل دائماً خلفه شيئاً يُكبح. كانت برودة مختلفة: برودة رجل أفرغ كل ما كان يتوقف عنده وقرر.
“لن يمر أحد.”
في الجهة الأخرى من الممر —
“صدى الموت.”
لم تصرخها سكارليت. قالتها بصوت منخفض ومركّز، بالطريقة التي تعني أن الطاقة كلها تذهب إلى الداخل لا إلى الخارج.
اخترق الطنين رأس المتحكم الثاني كإبرة في عصب. ليست آلاماً جسدية — أسوأ من ذلك. أصوات داخل الجمجمة، أصوات تعرفها لأنها أصوات أشخاص تعرفهم، تصرخ أشياء لا تريد سماعها. الجسد يتجمد لأن الدماغ تعطّل.
ثانية واحدة. كافية.
ظهر ألبرت أمامه.
لا تردد في القبضة. لا زيادة في القوة تدل على انفعال. ضربة واحدة محسوبة بالوجهة والثقل — كما يُحسب الجزار قطعته. ارتطم الرجل بالجدار وانزلق.
خلفه — الأول لا يزال يحاول تحرير معصمه من قبضة ألبرت. يسحب، يلتوي، يضغط بطاقته على مساحة الإمساك. ألبرت أمسك وجهه بيده الأخرى — بكفّه كلّه، كمن يمسك شيئاً يريد إيقافه لا تدميره — وضغطه نحو الأرض بحركة لا تشبه العنف بقدر ما تشبه الحسم.
ارتطم الرجل.
دمٌ. حجارة. صمت.
تراجع مترنحاً، والصدمة في عينيه لا تنكر نفسها. فتح فمه.
لم يكمل.
ظهرت سكارليت خلفه — صوتاً لا صورة، ثم صورة — وخنجرها اخترق ساقه بزاوية محددة، بين العضلة والعصب. صرخ الرجل بنوع الألم الذي يُحيّد الإرادة تماماً.
أسقطه ألبرت بضربة على العنق. دقيقة. نظيفة.
التفت.
المتحكم الثاني لا يزال يصارع أعداء غير موجودين — يضرب الجدار بذراع مرفوعة، يصرخ بكلمات لا تُفهم، عيناه تريان شيئاً لا يراه أحد غيره. سكارليت تمسك جانبها المؤلم من التركيز.
اقترب ألبرت منه ببطء.
أسقطه برفق نسبي. لا داعي لأكثر مما حدث.
ساد الصمت.
ليس صمت الانتهاء — صمت ما بعد الحدة، حين يعود الجسم إلى إدراك نبضه الخاص. تنفّس يوجين بصوت مسموع، كمن أُعيد إليه هواء كان يجهل أنه محبوسه.
انتهى الأمر بسرعة كان يجب أن تكون مطمئنة.
لم تكن كذلك.
لأن من بعيد —
اهتزّ النفق. ليس من الانهيار هذه المرة. من شيء مختلف — اصطدامات تحمل ثقلاً مختلفاً، كأن شيئين كبيرين يحاولان بجدية أن يكسرا بعضهما.
نظر ألبرت خلفه.
دارون والقائد يتبادلان ضربات في ممر يضيق عليهما. كل اصطدام يُرسل موجة ضغط تُحرّك الغبار على بعد عشرين متراً. سيف القائد يلمع بلون لا يتعلق بالمعدن. دارون يتحرك بالطريقة التي يتحرك بها حين يقاتل بجدية — لا هجوماً ولا دفاعاً بحتاً، بل شيء في المنتصف يشبه القراءة المستمرة لشخص يريد قتله وليس هزيمته.
فهم ألبرت الحساب دفعة واحدة.
دارون يستطيع أن يفعل أشياء كثيرة في وقت واحد. لكن ليس هذا وحماية عشرات الأشخاص في نفس الوقت. المسافة بينهما والقائد تُوجد خطاً — وخلف هذا الخط الأشخاص الذين لا يدافعون عن أنفسهم.
لهذا بالضبط تركهم.
اقترب دارون للحظة — صدّ ضربة بساعده، دفع، خلق فجوة ثانية واحدة في الإيقاع. نظر.
لا كلمات طويلة. جملة واحدة.
“أخرجهم.”
تجمّد ألبرت. ليس تردداً — كان يُودّع. يُفرّق بين ما يريده وما يجب أن يكونه. الفرق بين الشخصين اللذين يعيشان في نفس الجسد.
ثم قبض يده.
وأدار ظهره.
“تحركوا!”
انطلق الجميع. ألقت سكارليت نظرة خلفها — نظرة واحدة، قصيرة، مكثّفة كما تكون النظرات حين تعرف أن ما تراه ربما لا تراه مرة أخرى. دارون لم يلتفت. كان مشغولاً باحتواء شخص يريد قتله.
ثم تبعت بصمت.
وخلفهم بقي دارون.
وحيداً في ممر يتشقق ببطء على حواف النيران المتطايرة من كل اصطدام. في مواجهته رجل لا يتعب بالطريقة المعتادة — يتعب بطريقة أبطأ، أعمق، تعني أنه حين يصل إلى تعبه فإنه يصل دفعة واحدة.
والطريق خلفه —
ينهار.