الفصل 41 - كارل
بعد مضي ثلاثة أيام على انتهاء مهمة غابة الجنيات، كنت أقف في ساحة التدريب.
عاري الجزء العلوي. الهواء البارد يلامس جلدي الساخن كأنه يختبر مدى تحملي. قبضتي مشدودة حول مقبض السيف، وكل ضربة أوجهها لم تكن عشوائية. كانت محاولة. وكل حركة كانت بحثًا عن شيء لم أفهمه بعد.
العرق يتساقط من جبيني بغزارة، ينزلق على وجهي ثم على صدري حتى يقطر على أرض الساحة. الجسد مرهق. لكنني لم أتوقف.
لم أستطع التوقف.
ضربة. ثم أخرى. تنفس ثقيل. خطوة للأمام. التفاف. قطع. استدارة.
“ليس كافيًا…”
همستها لنفسي بينما أشد على أسناني وأعيد البدء.
كنت أحاول فهم ذلك الشعور. تلك الإرادة التي تلامسني أحيانًا، تمر بجانبي كشيء حي له صوت خاص لا يُسمع بالآذان. وحين أحاول الإمساك بها تنزلق. كأنها تعلم متى تأتي ومتى تغيب.
وهذا ما كان يزعجني.
بل ما كان يثير غضبي.
الشمس ارتفعت حتى اقتربت من منتصف السماء. أشعتها تضرب الأرض بقسوة لا تعرف التمييز بين جسد مستعد وجسد بلغ حده.
وفي لحظة…
توقفت.
ليس لأنني أردت. بل لأن جسدي رفض ببساطة. رفض بالطريقة القاطعة التي لا تقبل النقاش.
خفضت السيف ببطء. انحنيت. يداي على ركبتي. الهواء يدخل ويخرج بصعوبة كأنه أيضًا متعب.
رفعت رأسي نحو السماء. أغمضت عيني للحظة. تركت الهواء البارد يدخل إلى صدري ببطء وعمق.
“يكفي لهذا اليوم.”
قلتها. لكن داخلي لم يكن مقتنعًا. داخلي كان يقول إن ما أنجزته اليوم لا يزال أقل مما يجب.
انحنيت وأمسكت قميصي من الأرض وبدأت بارتدائه. يداي ترتجفان قليلًا. ليس من التعب وحده. بل من شيء آخر.
إحساس بالعجز. بأن كل هذا الجهد لا يزال غير كافٍ. بأن ما أمامي أكبر مما وصل إليه ما خلفي.
ثم سمعت خطوات.
مألوفة في إيقاعها. مألوفة في ثقلها. كارل.
اقترب بابتسامته المعتادة، تلك الابتسامة التي تبدو بسيطة في الشكل لكن تحمل في طياتها شيئًا من الدفء الصادق.
رفع يده بتحية.
“أراك تجتهد اليوم أيضًا.”
ابتسمت له رغم التعب الذي يثقل كل شيء.
“حسنًا… ليس وكأن لدي ما أفعله غير التدريب.”
اقترب. وقف أمامي. ونظر إليّ للحظة بطريقة من يقيّم لا من يحكم. ثم قال بهدوء غير معتاد، بهدوء لا يحمل تلك الطبقة الخفيفة من المزاح التي تعودتها فيه:
“هل ترافقني في جولتي؟”
ترددت ثانية.
ثم أومأت.
“بالطبع.”
بدأنا نسير معًا. الساحة خلفنا. الشوارع أمامنا.
المدينة كانت مختلفة اليوم. أو ربما أنا من كان مختلفًا. الأصوات عادية. الضحكات عادية. الباعة وأصواتهم وأطفال يركضون والحياة تمضي بإيقاعها الذي لا يتوقف لأحد.
لكن مع كل خطوة كنت ألاحظ التفاصيل أكثر من المعتاد. رجل يساوم على سعر الخبز بنبرة تخفي قلقًا حقيقيًا خلف المساومة. امرأة تحمل طفلًا وتبتسم رغم التعب الواضح في عينيها. شاب يركض حاملًا بضائع بطريقة من يعرف أن تأخره سيكلفه أكثر مما يبدو.
الحياة تمضي.
لكنني كنت أشعر بشيء. بأنني أنظر إلى كل هذا من خلف زجاج.
وكارل كان يسير بجانبي. بصمت.
صمت غير معتاد عليه.
التفت نحوه.
“أمر غير معتاد… صامت اليوم.”
لم ينظر إليّ مباشرة. نظرته بقيت على الطريق أمامه.
“فقط أفكر.”
لم أسأله أكثر. شعرت بأنه إن أراد الكلام سيتكلم.
مررنا بالشارع الرئيسي. ثم انحرفنا نحو شارع جانبي أضيق. ثم ممر بين مبنيين قديمين تشرب الزمن حتى تركت بصماتها على كل حجر.
وانكشف أمامنا.
مبنى كبير. لكن متعب. جدرانه متشققة والطلاء يتقشر بطريقة تكشف الطبقات التي كانت تحته. النوافذ قديمة وبعضها مكسور جزئيًا. والباب الخشبي الأمامي بدا كأنه صمد لسنوات طويلة ضد الزمن ثم قرر أن يستمر رغم كل شيء.
وفي ساحته الأمامية…
أطفال.
ملابسهم بسيطة. بعضها ممزق عند الأطراف. بعضها أكبر من مقاس من يرتديه كأنه موروث عن أخ أكبر. لكن وجوههم… وجوههم كانت مضيئة بطريقة لا علاقة لها بالمكان.
كانوا يركضون. يضحكون. يتعثرون. ينهضون. يضحكون مرة أخرى.
ضحكاتهم كانت صادقة. بريئة. النوع من الضحك الذي لا يحسب ولا يزن ولا يخاف من شيء بعده.
شيء ينتقل من مجرد رؤيته إليك.
توقف كارل. بحث بعينيه. وجد كرسيًا خشبيًا قريبًا، جلس عليه، وأشار إليّ.
“اجلس.”
جلست بجانبه.
لم نتحدث.
فقط راقبنا.
شعرت بشيء غريب في صدري.
ذكّرتني تلك الصورة بشيء لا أتذكره. فراغ في الذاكرة لكن إحساس يُشير إلى اتجاهه. كأنني كنت يومًا مثلهم. أو تمنيت أن أكون. أو ربما لا أعرف ماذا أريد منها سوى أنها تلمس شيئًا في داخلي لم يُلمَس منذ استيقظت في هذا العالم.
كسر كارل الصمت.
تنهد تنهيدة طويلة بطيئة. كأنه يُخرج شيئًا كان يحمله منذ وقت.
“كنت أعيش سابقًا في قرية ريفية بسيطة… مع أمي وأختي الصغيرة.”
نظرت إليه.
باهتمام. بهدوء.
تابع بصوت منخفض.
“كنت فتى صغيرًا… بريئًا… وضعيفًا.”
توقف للحظة. قبضته على ركبته انقبضت.
“دارون… هذا العالم لا يرحم الضعفاء.”
نظر إليّ. وفي عينيه شيء لم أره فيهما من قبل. شيء مكشوف وحاضر وليس مخفيًا خلف الابتسامة المعتادة.
“أتعلم ماذا حدث؟”
صمت.
ثم قالها.
“ماتوا.”
كلمة واحدة.
لكنها لم تمر كباقي الكلمات. استقرت.
“هاجم قطاع الطرق. وماتوا.”
تابع وصوته بدأ يحمل شيئًا يرتجف في أعماقه.
“لم أتحمل. رفضت الواقع. بكيت. تضرعت.”
شد على أسنانه.
“تحطمت. روحي وجسدي.”
رأيته في تلك اللحظة. ليس كارل الذي أعرفه بابتسامته الواسعة وكلامه السريع. رأيت طفلًا صغيرًا يقف أمام شيء أكبر منه بكثير عاجزًا تمامًا أمامه.
ثم نهض فجأة.
حركته كانت حادة. وقف وهو يتحول ببطء حتى واجهني.
“لكنني لم أنسَ ذلك الشعور!”
وجهه مشوه بغضب ليس تجاهي بل تجاه ذكرى لا تغادر.
“ذلك العجز! ذلك الضعف!”
صوته ارتفع لحظة.
“لن أنساه أبدًا!”
ثم هدأ.
ببطء. كأن موجة ارتفعت ثم أعادت نفسها.
لكن عينيه بقيتا مليئتين بذلك الشيء المؤلم.
“لذا قررت أن أصبح أقوى. لكي لا أشعر بذلك مرة أخرى.”
صمت.
ثم نظر إليّ. بصدق لا يُجمّل.
“ما رأيك يا دارون؟ عن هذا العالم؟ عن الضعف؟ عن كل شيء؟”
بقيت صامتًا للحظة.
أفكر. أشعر. أحاول استرجاع شيء ما.
لكن لا شيء يأتي. فراغ ناعم يمتد في مكان الذاكرة التي ينبغي أن تكون.
ثم تنفست ببطء.
“كارل… أنا لا أتذكر أي شيء.”
نظر إليّ.
“استيقظت فجأة. بلا ماضٍ. بلا هوية. بلا أي شيء.”
رفعت يدي قليلًا.
“فقط اسم. وحتى هذا الاسم لا أعلم إن كان لي حقًا.”
شددت قبضتي.
“ومع ذلك أتمسك به. لأنه قد يكون آخر ما تبقى لي.”
نهضت.
وقفت أمامه بنفس مستواه.
نظرت مباشرة إلى عينيه.
“أنا لست أحمق يا كارل. هذا العالم قاسٍ. ولا يرحم الضعفاء.”
شعرت بشيء يغلي داخلي ببطء.
“أنا أكره ضعفي. أكره جهلي. أكره عجزي.”
تنهدت بثقل.
“الضعف خطيئة. وأنا أرفض التمسك به.”
وفي داخلي أضفت ما لم أقله بصوت عالٍ:
لأنني إن قبلت به فلن يبقى لي شيء أتمسك به في هذا العالم.
الصمت عاد.
لكنه لم يكن ذلك الصمت الثقيل الضاغط. كان صمتًا فيه شيء من الصدق. من نوع الصمت الذي يأتي حين يُقال ما ينبغي قوله.
ثم انحنى كارل قليلًا.
بحركة مدروسة. باحترام.
“دارون… شكرًا لك.”
تفاجأت.
أكمل بابتسامة خفيفة مختلفة عن ابتسامته المعتادة. أكثر هدوءًا. أكثر صدقًا.
“أنا أقدّرك حقًا.”
ثم جلس مجددًا. وهدأ.
“بفضل وجودك… والتدريب معك…”
نظر إليّ.
“وسماع ملاحظاتك عن الإرادة…”
ابتسم.
“أعتقد أنني بدأت أفهمها.”
رفعت حاجبيّ.
“تفهم؟ الإرادة؟”
ضحك بخفة.
“ألم تخبرك إيمي؟”
“المستوى الأول… الإحساس بها. المستوى الثاني… فهمها.”
شعرت بالدهشة.
“وأنت؟”
نظر إلى يده. كأنه يحاول لمس شيء غير مرئي لكنه موجود.
“أعتقد أنني بدأت أخطو في بداية المستوى الثاني. أحيانًا لا أكتفي بالشعور بها. بل أفهم اتجاهها. كأنها تخبرني بما سيحدث قبل أن يحدث.”
نظر إليّ بجدية.
صمت. ثم قال بنبرة أعمق:
“سأعطيك نصيحة.”
ركزت معه.
“الإرادة ليست مجرد قوة. إنها انعكاس لذاتك.”
أشار إلى صدره.
“لما أنت عليه. لما تخفيه. لما تخشاه. ولما تريده بشدة.”
تراجع خطوة.
“ألم تتساءل يومًا… ما هي الإرادة حقًا؟”
سكت لحظة. ثم أضاف:
“كلما فهمت نفسك أكثر… فهمتها أكثر.”
ثم لوّح بيده بتلك الطريقة المعتادة.
“على أي حال…”
“أتمنى أن أكون أفدتك.”
بدأ يبتعد.
“إلى اللقاء… يا صديقي.”
تجمدت.
في مكاني.
“صديقي؟”
همستها ببطء. كأنني أتذوق الكلمة لأول مرة. أضع كل حرف منها في فمي وأتأمله قبل أن يذهب.
صديقي.
شعرت بشيء دافئ يمتد في صدري ببطء. ليس سعادة صاخبة. بل شيء أهدأ وأعمق. شيء يشبه الدفء الذي يأتي حين تجد مكانًا آمنًا بعد طريق بارد.
وقفت هناك.
راقبت الأطفال يلعبون.
ثم نظرت إلى المكان من حولي. إلى المبنى المتعب والأطفال المضيئين والحياة التي تستمر بكل ثقلها وخفتها في آنٍ واحد.
ثم إلى نفسي.
“صديق.”
ابتسمت.
بهدوء. ببطء.
“هذه أول مرة تُقال لي.”
وشعرت بشيء يملأ فراغًا كان هناك. ذلك الفراغ الذي لم أستطع وصفه منذ البداية. الذي كان موجودًا قبل أن أعرف أن اسمه فراغ.
في هذا العالم القاسي الذي لا يرحم الضعفاء…
ربما…
وجدت شيئًا يستحق التمسك به.