القسم الأول — آداب السلطان
بَابُ
إن أبتليت بالسلطان فتعوّذ بالعلماء.
واعلم أنَّ من العَجَب أنْ يُبتلى الرجل بالسلطان، فيريد أنْ ينتقص من ساعات نصَبه وعمله، فيزيدها في ساعات دَعَتِه وفَراغه وشهوته وعبثه ونومه.
وإنما الرأيُ له والحقُّ عليه أنْ يأخذ لعمله من جميع شُغْله، فيأخُذَ له من طعامه وشرابه ونومه وحديثه ولَهْوِهِ ونسائه قدْرَ ما يكونُ به إصلاح جسمه وتقويةٌ له على إتمام عمله.
وإنما تكون الدَّعة بعد الفراغ.
فإذا تقلَّدْتَ شيئًا من أمر السلطان فكن فيه أحد رجلين:
إمَّا رجلًا مغتبطًا به، محافظًا عليه مخافةَ أنْ يزول عنه؛
وإمَّا رجلًا كارهًا له مُكرَهًا عليه. فالكاره عاملٌ في سُخرةٍ: إمَّا للملوك، إنْ كانوا هم سلَّطوه؛ وإمَّا لله تعالى ،إنْ كان ليس فوقه غيرُه.
وقد عَلِمْتَ أنه مَن فرَّط في سخْرَة الملوك أهلكوه. فلا تجعلْ للهلاك على نفسك سلطانًا ولا سبيلًا.
وإياك — إذا كنتَ واليًا — أنْ يكونَ من شأنك حبُّ المدح والتزكيةِ، وأنْ يعرف الناس ذلك منك، فتكون ثُلْمَةً من الثُّلَمِ يتقحَّمون عليك منها، وبابًا يفتتحونك منه، وغيبةً يغتابونك بها ويضحكون منك لها.
واعلم أنَّ قابِلَ المدح كمادح نفسه. والمرءُ جديرٌ أنْ يكون حبه المدح هو الذي يحمله على رَدِّه. فإِنّ الرادَّ له محمود، والقابِلَ له مَعِيبٌ.
بَابُ
لِتَكنْ حاجَتُك في الولاية إلى ثلاثِ خصال: رِضَى ربك، ورِضَى سلطان — إنْ كان فوقك — ورِضَى صالح مَن تَلِي عليه.
ولا عليك أنْ تلهو عن المال والذِّكْر، فسيأتيك منهما ما يحسنُ ويطيب ويُكتفى به.
واجعل الخصالَ الثلاث منك بمكانِ ما لا بُدَّ لك منه. واجعل المال والذِّكْر بمكان ما أنت واجد منه بُدًّا.
بَابُ
اعرَفِ الفضلَ في أهل الدين والمُرُوءة في كل كُورة وقَرْيةٍ وقبيلة. فلْيكونوا هم إخوانَك وأعوانَك وأخدانَك وأصفياءَك وبطانَتَك ولطفاءَك وثِقاتِك وخُلَطاءك ولا تَقذِفنَّ في رُوعِك أنك إنْ استشرت الرجال، ظهر للناس منك الحاجةُ إلى رأي غيرك. فإنّك لست تريد الرأي للافتخار به، ولكنَّما تريده للانتفاع به. ولو أنك مع ذلك أردت الذكر، كان أحسن الذكرين وأفضلهما عند أهل الفضل والعقل أنْ يقال: لا يتفرَّد برأيه دُون استشارة ذوي الرأي.
∴
إنك إنْ تلتمس رِضَى جميعِ الناس، تلتمسْ ما لا يُدْرَكُ.
وكيف يتَّفق لك رأي المختلفين؟ وما حاجَتُك إلى رِضَى مَنْ رِضاهُ الجَوْر، وإلى مُوافَقَة مَنْ مُوَافَقَتُه الضلالةُ والجهالة؟ فعليك بالتماس رِضَى الأخيار منهم وذوي العقل. فإنَّك متى تُصِب ذلك، تَضَعْ عنك مَؤونة ما سواه.
بَابُ
لا تُمَكِّنْ أهل البلاء الحَسَن عندك من التدلُّل عليك، ولا تُمكِنَنَّ مَن سواهم من الاجتراء عليهم والعيب لهم.
∴
لِتَعْرِفْ رعيَّتُك أبوابك التي لا يُنال ما عندك من الخير إلَّا بها، والأبوابَ التي لا يَخافُك خائف إلَّا من قِبَلها.
∴
احرص الحِرصَ كلَّه على أنْ تكون خابرًا أمورَ عُمَّالك. فإنَّ المُسيء يَفْرَق من خُبْرتك قبل أنْ يُصيبَهُ وَقْعُك به وعُقوبتك؛ وإنَّ المُحْسِن يستبشر بعلمك قبل أنْ يأتيه مَعروفُك.
∴
لِيعرف الناسُ، فيما يعرفون من أخلاقك، أنك لا تُعاجِلُ بالثواب ولا بالعقاب! فإنَّ ذلك هو أدوم لخوف الخائف ورجاء الراجي.
بَابُ
عوِّدْ نفسك الصبرَ على مَن خالفك من ذوي النصيحة، والتجرُّعَ لمرارة قولهم وعذْلهم، ولا تُسهِّلنَّ سبيل ذلك إلَّا لأهل العقل والسِّنِّ والمروءة، لئلا ينتشر من ذلك ما يجترِئُ به سفيه أو يَسْتَخِفُّ به شانِئ.
بَابُ
لا تتركَنَّ مباشرة جسيم أمرك فيعودَ شأنُك صغيرًا؛ ولا تُلزمن نفسك مباشرة الصغير، فيصيرَ الكبيرُ ضائعًا.
∴
واعلم أنَّ مَالكَ لا يُغني الناسَ كلهم، فاخصص به أهل الحقّ؛ وأنَّ كرامتك لا تُطيق العامَّةَ كلها، فتَوَخَّ بها أهل الفضل؛ وأنَّ قلبك لا يتسع لكل شيء، ففرِّغه للمهم؛ وأنَّ ليلك ونهارك لا يستوْعبان حاجاتك (وإنْ دأبتَ فيهما)؛ وأنْ ليس لك إلى إدامة الدأب فيهما سبيلٌ مع حاجة جسدك إلى نصيبه منهما. فأحْسِنْ قسمتهما بين عملك ودَعَتِك.
∴
واعلم أنَّ ما شَغَلْتَ من رأيك بغير المهم أزرَى بك في المهم، وما صَرَفْتَ من مالك في الباطل فَقَدْتَهُ حين تُريدُهُ للحقّ، وما عدَلْتَ به من كرامتك إلى أهل النقص أضرَّ بك في العجز عن أهل الفضل، وما شغَلتَ من ليلك ونهارك في غير الحاجة أزرى بك عند الحاجة منك إليه.
∴
اعلم أنَّ من الناس ناسًا كثيرًا يبلغ من أحدهم الغضبُ — إِذا غَضِب — أنْ يحمله ذلك على الكُلُوح والقُطُوب في وجه غير مَن أغضَبَه، وسوءِ اللفظ لمَن لا ذنْبَ له، والعقوبةِ لمن لم يكن يَهِمُّ بمعاقبته، وشدَّةِ المعاقبة باللسان واليدِ لمَنْ لم يكن يُريد به إلَّا دُونَ ذلك. ثم يبلغ به الرِضَى — إذا رضي — أنْ يتبرَّع بالأمر ذي الخطر لمَنْ ليس بمنزلة ذلك عنده، ويُعطي مَن لم يكن يُريد إعطاءَه، ويُكْرِمَ مَنْ لم يُرد إكرامه ولا حقَّ له ولا مودَّةَ عنده.
فاحذر هذا الباب الحذَرَ كلَّه! فإنّه ليس أحدٌ أسوأَ فيه حالًا من أهل السلطان الذين يُفْرِطون باقتدارهم في غضبهم وبتسرَّعهم في رضاهم. فإنّه لو وُصِفَ بهذه الصفة مَن يُلْتَبَسُ بعقله أو يتخبَّطه المَسُّ أنْ يُعاقِبَ عند غضبه غيْرَ مَن أغضبه ويَحْبو عند رضاه غير مَن أرضاه، لكان جائزًا ذلك في صفته.
بَابُ
اعلم أنَّ المُلك ثلاثةٌ: مُلْكُ دِينٍ، ومُلْكُ حزمٍ، ومُلْكُ هوًى.
فأمَّا مُلْكُ الدِّين فإنه إذا أقام للرعية دينهم — وكان دينهم هو الذي يُعطيهم الذي لهم ويُلْحِق بهم الذي عليهم — أرضاهم ذلك، وأنزل الساخط منهم منزلة الراضي في الإقرار والتسليم.
وأمَّا مُلْكُ الحزم فإنه يقوم به الأمر ولا يَسْلَمُ من الطعن والتسخُّط. ولن يَضُرَّ طعنُ الضعيف مع حزم القويِّ.
وأمَّا مُلْكُ الهوى فَلَعِبُ ساعةٍ ودَمارُ دهرٍ.
بَابُ
إذا كان سلطانك عند جِدَّةِ دولةٍ، فرأيتَ أمرًا استقام بغير رأي، وأعوانًا أجْزَوا بغير نَيْل، وعملًا أَنْجَح بغير حزم، فلا يغرَّنك ذلك ولا تَسْتَنِيمَنَّ إليه. فإن الأمر الجديد رُبَّما يكون له مهابةٌ في أنفس أقوام وحلاوةٌ في قلوب آخرين، فيُعينُ قومٌ على أنفسهم ويعين قومٌ بما قِبَلَهم. ويَسْتَتِبُّ ذلك الأمر غيرَ طويلٍ، ثم تصير الشؤُون إلى حقائقها وأصولها.
فما كان من الأمور بُنِي على غير أركانٍ وثيقةٍ ولا دعائمَ مُحكمة، أوْشَكَ أنْ يتداعَى ويتصدَّعَ.
∴
لا تكوننَّ نَزْر الكلام والسلام، ولا تبلُغنَّ بهما إفراط الهشاشة والبشاشة. فإنَّ إحداهما من الكِبْر والأخرى من السُّخْفِ.
بَابُ
إذا كنتَ إنما تضبط أمورك وتصولُ على عدوِّك بقومٍ لستَ منهم على ثِقةٍ من دِينٍ ولا رأي ولا حِفاظٍ من نيَّة، فلا تفعلْ نافلةً، حتى تحمِلهم — إنْ استطعت — على الرأي والأدب الذي بمثله تكون الثقة، أو تستبدِلَ بهم، إِنْ لم تستطع نقلهم إلى ما تريد. ولا تَغُرَّنك قوَّتُك بهم على غيرهم. فإنَّما أنت في ذلك كراكبِ الأسد الذي يَهَابُهُ مَن نظر إليه، وهو لِمَرْكَبه أهْيَبُ.
بَابُ
ليس للمَلِك أنْ يَغْضَبَ، لأنَّ القُدرة من وراء حاجته.
وليس له أنْ يكذِبَ، لأنه لا يقدِر أحد على استكراهه على غير ما يُريد.
وليس له أنْ يبخل، لأنه أقل الناس عذرًا في تخوُّف الفقر.
وليس له أنْ يكونَ حَقُودًا، لأنّ خَطَرَه قد عَظُم عن مجاراة كل الناس.
وليس له أنْ يكون حلَّافًا. لأن أحق الناس باتقاء الأيمان الملوكُ، فإنما يَحمل الرجل على الحَلِف إحدى هذه الخصال:
إمَّا مَهانة يجدها في نفسه، وضَرَعٌ وحاجة إلى تصديق الناس إياه؛
وإمَّا عِيٌّ بالكلام، فيجعلُ الأيمانَ له حَشْوًا ووصلًا؛ وإمَّا تُهمةٌ قد عرفها من الناس لحديثه ، فهو يُنْزِل نفسَه منزِلةَ مَنْ لا يُقبَل قولُهُ إلَّا بعد جَهْد اليمين ؛
وإمَّا عَبَثٌ بالقول وإرسالٌ لِلِّسان على غير رَوِيَّة ولا حُسْن تقديرٍ، ولا تعويدٍ له قولَ السَّداد والتثبُّتَ.
بَابُ
لا عَيْبَ على المَلِك في تعيُّشه وتنعمه ولَعِبِهِ ولَهْوِهِ، إذا تعاهد الجسيمَ من أمره بنفسه وأحكمَ المهمَّ، وفوَّض ما دُونَ ما دُون ذلك إلى الكُفاة .
∴
كلُّ أحدٍ حقيق — حين ينظر في أمور الناس — أنْ يتَّهِمَ نَظرَهُ بعين الريبة ، وقلبَه بعين المقت. فإنهما يُزيِّنان الجَوْر، ويحملان على الباطل، ويُقَبِّحان الحَسن، ويُحسِّنان القبيح.
وأحقٌّ الناس باتّهام نظره بعيْن الرِيبة وعيْن المقتِ السلطانُ الذي ما وقع في قلبه رَبَا مع ما يُقَيض له من تزيين القُرَناء والوزراء.
وأحق الناس بإجبار نفسه على العدل في النظر والقول والفعل؛ الوالي الذي ما قال أو فعل كان أمرًا نافذًا غيرَ مردود.
∴
لِيعلم الوالي أنَّ الناس يَصِفُون الوُلاة بسُوءِ العهد ونِسيان الوُدّ، فلْيُكابِر نقْضَ قولهم، ولْيُبطل عن نفسه وعن الوُلاة صفات السوء التي يُوصفون بها.
بَابُ
حقُّ الوالي أنْ يتفقَّد لطيف أمور رعيته، فضلًا عن جسيمها، فإن لِلَّطيف موضعًا يَنْتفِع به، وللجسيم موضعًا لا يَستغني عنه.
∴
لِيتفقَّد الوالي — فيما يتفقد من أمور رعيته — فاقة الأخيار والأحرار منهم، فلْيعمَلْ في سَدِّها! وطُغْيانَ السْفَلة منهم، فليقمَعْه! ولْيَسْتَوحش من الكريم الجائع واللئيم الشبعان! فإنّما يَصُول الكريمُ إذا جاع، واللئيم إذا شبِع.
بَابُ
لا ينبغي للوالي أنْ يحسُدَ الولاة إلَّا على حسن التدبير.
ولا يحسُدنَّ الوالي مَن دونه. فإنّه أقلُّ في ذلك عُذرًا من السُّوقة التي إنما تحسُدُ مَن فوقها.
وكُلٌّ لا عُذْرَ له.
بَابُ
لا يلومنَّ الوالي على الزَّلَّة مَنْ ليس بمُتَّهَم عنده في الحرص على رضاه، إلَّا لَوْمَ أدَبٍ وتقويم! ولا يعدِلنَّ بالمجتهد في رضاه البصير البصير بما يأتي أحدًا!
فإنهما إذا اجتمعا في الوزير والصاحب نام الوالي واستراح، وجُلِبت إليه حاجاته، وإنْ هدأ عنها، وعُمِل له فيما يُهمُّه وإنْ غَفَلَ.
∴
لا يُولعَنَّ الوالي بسوء الظنِّ لقول الناس، ولْيجعل لحُسن الظن من نفسه نصيبًا موفورًا يروِّح به عن قلبه ويُصدِر عنه في أعماله!
∴
لا يُضيِّعَنَّ الوالي التثبُّت عندما يقول، وعندما يُعطي، وعندما يَعْمل.
فإنَّ الرجوعَ عن الصمت أحسنُ من الرجوع عن الكلام؛ وإنَّ العطيَّة بعد المنع أجملُ من المنع بعد الإعطاء؛ وإنَّ الإقدام على العمل بعد التأنِّي فيه أحسنُ من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه.
وكلُّ الناس محتاجٌ إلى التثبت.
وأحوجهم إليه ملوكُهم الذين ليس لقولهم وفعلهم دافعٌ، وليس عليهم مستحِثٌّ.
بَابُ
لِيعلم الوالي أنَّ من الناس حُرَصاءَ على زِيِّه، إلَّا مَن لا بالَ له! فلْيَكُنْ للدِّين والبرِّ والمُرُوءَة عنده نَفاق، فيُكسِدُ بذلك الفُجُورَ والدناءةَ في آفاق الأرض!
بَابُ
جُمَاع ما يحتاج إليه الوالي من أمر الدنيا رأيان: رأي يُقَوِّي به سلطانَه، ورأيٌ يُزيِّنه في الناس.
ورأي القوة أحقهما بالبُداءة وأوْلاهما بالأَثَرة.
ورأي التزيين أحضرهما حلاوةً وأكثرهم أعوانًا.
مع أنَّ القوَّة من الزينة، والزينة من القوة. ولكنَّ الأمر يُنْسَب إلى مُعْظَمِه وأصله.